فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 537

الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِأَنَّ تَاثِيرَ الْمَظْهَرِ فِي عَامَّةِ النَّاسِ لَا يُنْكَرُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْحُكْمِ كَالْقَاضِي.

ب - وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُحْسِنَ سِيرَتَهُ، بِتَحَرِّي مُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، لِأَنَّهُ قُدْوَةٌ لِلنَّاسِ فِي مَا يَقُولُ وَيَفْعَلُ، فَيَحْصُلُ بِفِعْلِهِ قَدْرٌ عَظِيمٌ مِنْ الْبَيَانِ، لِأَنَّ الْأَنْظَارَ إلَيْهِ مَصْرُوفَةٌ، وَالنُّفُوسَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِ مَوْقُوفَةٌ.

ج - وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصْلِحَ سَرِيرَتَهُ وَيَسْتَحْضِرَ عِنْدَ الْإِفْتَاءِ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ مِنْ قَصْدِ الْخِلَافَةِ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي بَيَانِ الشَّرْعِ، وَإِحْيَاءِ الْعَمَلِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِصْلَاحِ أَحْوَالِ النَّاسِ بِذَلِكَ، وَيَسْتَعِينَ بِاَللَّهِ عَلَى ذَلِكَ، وَيَسْأَلَهُ التَّوْفِيقَ وَالتَّسْدِيدَ، وَعَلَيْهِ مُدَافَعَةُ النِّيَّاتِ الْخَبِيثَةِ مِنْ قَصْدِ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ وَالْإِعْجَابِ بِمَا يَقُولُ، وَخَاصَّةً حَيْثُ يُخْطِئُ غَيْرُهُ وَيُصِيبُ هُوَ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ سَحْنُونٍ: فِتْنَةُ الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ أَعْظَمُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ.

د - وَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِمَا يُفْتِي بِهِ مِنْ الْخَيْرِ، مُنْتَهِيًا عَمَّا يَنْهَى عَنْهُ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ، لِيَتَطَابَقَ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ، فَيَكُونَ فِعْلُهُ مُصَدِّقًا لِقَوْلِهِ مُؤَيِّدًا لَهُ، فَإِنْ كَانَ بِضِدِّ ذَلِكَ كَانَ فِعْلُهُ مُكَذِّبًا لِقَوْلِهِ، وَصَادًّا لِلْمُسْتَفْتِي عَنْ قَبُولِهِ وَالِامْتِثَالِ لَهُ، لِمَا فِي الطَّبَائِعِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ التَّأَثُّرِ بِالْأَفْعَالِ، وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِفْتَاءُ فِي تِلْكَ الْحَالِ، إذْ مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ زَلَّةٌ، كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ مُؤْتَمِرًا مُنْتَهِيًا، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ مُخَالَفَتُهُ مُسْقِطَةً لِعَدَالَتِهِ، فَلَا تَصِحُّ فُتْيَاهُ حِينَئِذٍ.

هـ - أَنْ لَا يُفْتِيَ حَالَ انْشِغَالِ قَلْبِهِ بِشِدَّةِ غَضَبٍ أَوْ فَرَحٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ عَطَشٍ أَوْ إرْهَاقٍ أَوْ تَغَيُّرِ خُلُقٍ، أَوْ كَانَ فِي حَالِ نُعَاسٍ، أَوْ مَرَضٍ شَدِيدٍ، أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ، أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ، أَوْ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْحَاجَاتِ الَّتِي تَمْنَعُ صِحَّةَ الْفِكْرِ وَاسْتِقَامَةَ الْحُكْمِ. لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ} فَإِنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الْإِفْتَاءِ حَتَّى يَزُولَ مَا بِهِ وَيَرْجِعَ إلَى حَالِ الِاعْتِدَالِ. فَإِنْ أَفْتَى فِي حَالِ انْشِغَالِ الْقَلْبِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الصَّوَابِ صَحَّتْ فُتْيَاهُ وَإِنْ كَانَ مُخَاطِرًا لَكِنْ قَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِكَوْنِ ذَلِكَ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنْ أَصْلِ الْفِكْرِ. فَإِنْ أَخْرَجَهُ الدَّهَشُ عَنْ أَصْلِ الْفِكْرِ لَمْ تَصِحَّ فُتْيَاهُ قَطْعًا وَإِنْ وَافَقَتْ الصَّوَابَ.

و - إنْ كَانَ عِنْدَهُ مَنْ يَثِقُ بِعِلْمِهِ وَدِينِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِالْجَوَابِ تَسَامِيًا بِنَفْسِهِ عَنْ الْمُشَاوَرَةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} وَعَلَى هَذَا كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَخَاصَّةً عُمَرَ رضي الله عنه، فَالْمَنْقُولُ مِنْ مُشَاوَرَتِهِ لِسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ، وَيُرْجَى بِالْمُشَاوَرَةِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ مَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ الْمُشَاوَرَةُ مِنْ قَبِيلِ إفْشَاءِ السِّرِّ.

ز - الْمُفْتِي كَالطَّبِيبِ يَطَّلِعُ مِنْ أَسْرَارِ النَّاسِ وَعَوْرَاتِهِمْ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَقَدْ يَضُرُّ بِهِمْ إفْشَاؤُهَا أَوْ يُعَرِّضُهُمْ لِلْأَذَى فَعَلَيْهِ كِتْمَانُ أَسْرَارِ الْمُسْتَفْتِينَ، وَلِئَلَّا يَحُولَ إفْشَاؤُهُ لَهَا بَيْنَ الْمُسْتَفْتِي وَبَيْنَ الْبَوْحِ بِصُوَرِهِ الْوَاقِعَةِ إذَا عَرَفَ أَنَّ سِرَّهُ لَيْسَ فِي مَامَنٍ.

مُرَاعَاةُ حَالِ الْمُسْتَفْتِي:

30 -يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي مُرَاعَاةُ أَحْوَالِ الْمُسْتَفْتِي،

وَلِذَلِكَ وُجُوهٌ، مِنْهَا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت