40 -عَلَى الْإِمَامِ نَصْبُ الْمُفْتِينَ فِي الْمَنَاطِقِ الْمُتَبَاعِدَةِ إنْ ظَهَرَتْ الْحَاجَةُ وَلَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعُونَ بِالْفُتْيَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَا يَنْصِبُ إلَّا مَنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَعَلَيْهِ الْكِفَايَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ يَتَفَرَّغُ لِذَلِكَ. وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَحْوَالِ الْمُفْتِينَ: فَيَمْنَعُ مَنْ يَتَصَدَّرُ لِذَلِكَ وَلَيْسَ بِأَهْلٍ، أَوْ إذَا كَانَ مِمَّنْ يُسِيءُ، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُحْجَرُ عَلَى الْمُفْتِي الْمَاجِنِ وَالطَّبِيبِ الْجَاهِلِ وَالْمُكَارِي الْمُفْلِسِ، وَمُرَادُهُمْ بِالْمَاجِنِ: مَنْ يُعَلِّمُ الْحِيَلَ الْبَاطِلَةَ، كَمَنْ يُعَلِّمُ الزَّوْجَةَ أَنْ تَرْتَدَّ لِتَبِينَ مِنْ زَوْجِهَا، أَوْ يُعَلِّمُ مَا تَسْقُطُ بِهِ الزَّكَاةُ، وَكَذَا مَنْ يُفْتِي عَنْ جَهْلٍ. وَقَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ، فَمَنْ صَلَحَ لِلْفُتْيَا أَقَرَّهُ، وَمَنْ لَا يَصْلُحُ مَنَعَهُ وَنَهَاهُ وَتَوَاعَدَهُ بِالْعُقُوبَةِ إنْ عَادَ، قَالَ: وَطَرِيقُ الْإِمَامِ إلَى مَعْرِفَةِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ عُلَمَاءَ وَقْتِهِ، وَيَعْتَمِدَ إخْبَارَ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَنْ أَفْتَى وَلَيْسَ بِأَهْلٍ فَهُوَ آثِمٌ عَاصٍ، وَمَنْ أَقَرَّهُمْ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ فَهُوَ آثِمٌ أَيْضًا، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ قَوْلُهُ: يَلْزَمُ وَلِيَّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَدُلُّ الرَّكْبَ وَلَا يَعْلَمُ الطَّرِيقَ، وَبِمَنْزِلَةِ مَنْ يُرْشِدُ النَّاسَ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ أَعْمَى، بَلْ أَسْوَأُ حَالًا، وَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ الطِّبَّ مِنْ مُدَاوَاةِ الْمَرْضَى فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَعْرِفْ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ.
41 -اسْتِفْتَاءُ الْعَامِّيِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُ حُكْمَ الْحَادِثَةِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ، لِوُجُوبِ الْعَمَلِ حَسَبَ حُكْمِ الشَّرْعِ، وَلِأَنَّهُ إذَا أَقْدَمَ عَلَى الْعَمَلِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ فَقَدْ يَرْتَكِبُ الْحَرَامَ، أَوْ يَتْرُكَ فِي الْعِبَادَةِ مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْعَامِّيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ مُكَلَّفٌ بِالْأَحْكَامِ، وَتَكْلِيفُهُ طَلَبِ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ مُحَالٌ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى انْقِطَاعِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَتَعَطُّلِ الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ، وَإِذَا اسْتَحَالَ هَذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوبُ اتِّبَاعِهِمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: مَنْ نَزَلَتْ بِهِ حَادِثَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِ عِلْمُ حُكْمِهَا، أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِفْتَاءُ عَنْهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِبَلَدِهِ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الرَّحِيلُ إلَى مَنْ يُفْتِيهِ وَإِنْ بَعُدَتْ دَارُهُ، وَقَدْ رَحَلَ خَلَائِقُ مِنْ السَّلَفِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ.
مَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُفْتِيهِ فِي وَاقِعَتِهِ:
42 -إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُكَلَّفُ مَنْ يُفْتِيهِ فِي وَاقِعَتِهِ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِالْعَمَلِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، لَا مِنْ اجْتِهَادٍ مُعْتَبَرٍ وَلَا مِنْ تَقْلِيدٍ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ، وَلِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْعِلْمُ بِهِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ إذَا تَعَارَضَتْ عِنْدَهُ الْأَدِلَّةُ وَتَكَافَأَتْ فَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّرْجِيحُ، وَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وَكَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ، أَنَّهُ يُخَرَّجُ حُكْمُهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي مَسْأَلَةِ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَفِيهَا الْأَقْوَالُ: أَنَّهُ يَاخُذُ بِالْأَشَدِّ، أَوْ بِالْأَخَفِّ، أَوْ يَتَخَيَّرُ. ثُمَّ قَالَ: وَالصَّوَابُ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَرَّى الْحَقَّ بِجَهْدِهِ وَمَعْرِفَةِ مِثْلِهِ وَيَتَّقِيَ اللَّهَ، قَالَ: وَقَدْ نَصَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْحَقِّ أَمَارَاتٍ كَثِيرَةً، وَلَمْ يُسَوِّ بَيْنَ مَا يُحِبُّهُ وَمَا يَسْخَطُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ هَذَا مِنْ هَذَا، وَالْفِطَرُ السَّلِيمَةُ تَمِيلُ إلَى الْحَقِّ وَتُؤْثِرُهُ، فَإِنْ قُدِّرَ ارْتِفَاعُ ذَلِكَ كُلِّهِ يَسْقُطُ عَنْهُ التَّكْلِيفُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ وَإِنْ كَانَ مُكَلَّفًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهَا.
مَعْرِفَةُ الْمُسْتَفْتِي حَالَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ:
43 -يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي إنْ وَقَعَتْ لَهُ حَادِثَةٌ أَنْ يَسْأَلَ مُتَّصِفًا بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ الْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ: الِاتِّفَاقَ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ