الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ انْعِدَامِهِمْ، وَلِذَا قَالَ صَاحِبُ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ: الِاجْتِهَادُ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ إذَا وُجِدَ الْمُجْتَهِدُ فَهُوَ الْأَوْلَى بِالتَّوْلِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: تَوْقِيفُ الْفُتْيَا عَلَى حُصُولِ الْمُجْتَهِدِ يُفْضِي إلَى حَرَجٍ عَظِيمٍ، أَوْ اسْتِرْسَالِ الْخَلْقِ فِي أَهْوَائِهِمْ، فَالْمُخْتَارُ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إذَا كَانَ عَدْلًا مُتَمَكِّنًا مِنْ فَهْمِ كَلَامِ الْإِمَامِ، ثُمَّ حَكَى لِلْمُقَلِّدِ قَوْلَهُ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عِنْدَهُ، قَالَ: وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَانِنَا عَلَى هَذَا النَّوْعِ مِنْ الْفُتْيَا. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: أَمَّا مَنْ شَدَا (جَمَعَ) شَيْئًا مِنْ الْعِلْمِ فَقَدْ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ.
15 -وَلَيْسَ لِمَنْ يُفْتِي بِمَذْهَبِ إمَامٍ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ إلَّا وَقَدْ عَرَفَ دَلِيلَهُ وَوَجْهَ الِاسْتِنْبَاطِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ بِمَا هُوَ مُقَلِّدٌ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِ سِوَى أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ قَلَّدَهُ، هَذَا إجْمَاعُ السَّلَفِ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا. وَقَالَ الْجُوَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ: مَنْ حَفِظَ نُصُوصَ الشَّافِعِيِّ وَأَقْوَالَ النَّاسِ بِأَسْرِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ حَقَائِقَهَا وَمَعَانِيَهَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَقِيسَ، وَلَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى، وَلَوْ أَفْتَى بِهِ لَا يَجُوزُ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي الْمَذْهَبِ مِنْ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ التَّرْجِيحِ لَا يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْإِمَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ عَلَيْهِ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ وَتَرْجِيحُ مَا رَجَحَ عِنْدَهُ دَلِيلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَعَلَيْهِ الْأَخْذُ بِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ بِتَرْتِيبٍ الْتَزَمُوهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَا شَاءَ وَكَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ فِي مَسْأَلَةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إلَى الْأَدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ فَيَعْمَلَ بِهِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ الْمَكِّيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَسَبَقَهُ إلَى حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ فِيهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَالْبَاجِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِذَا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّوَابَ فِي قَوْلِ غَيْرِ إمَامِهِ وَكَانَ لَهُ اجْتِهَادٌ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ. وَلَيْسَ لِلْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ أَنْ يُفْتِيَ بِالضَّعِيفِ وَالْمَرْجُوحِ مِنْ الْأَقْوَالِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، بَلْ نَقَلَ الْحَصْكَفِيُّ أَنَّ الْعَمَلَ بِالْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ جَهْلٌ وَخَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنْ لَيْسَ لِلْمُفْتِي الْمُقَلِّدِ الْإِفْتَاءُ بِالضَّعِيفِ وَالْمَرْجُوحِ حَتَّى فِي حَقِّ نَفْسِهِ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ الَّذِينَ أَجَازُوا لَهُ الْعَمَلَ بِالضَّعِيفِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ
16 -وَحَيْثُ قُلْنَا: إنَّ لِلْمُقَلِّدِ الْإِفْتَاءَ بِقَوْلِ الْمُجْتَهِدِ، فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ الْمُقَلِّدُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْمَذَاهِبُ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ أَرْبَابِهَا. وَصَرَّحَ بِذَلِكَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ، وَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ الَّذِي يَسْتَنْبِطُ حُكْمًا فَهُوَ عِنْدَهُ حُكْمٌ دَائِمٌ. وَفِي وَجْهٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ فَإِنَّهُ كَانَ يُجَدِّدُ النَّظَرَ عِنْدَ النَّازِلَةِ إمَّا وُجُوبًا أَوْ اسْتِحْبَابًا، وَلَعَلَّهُ لَوْ جَدَّدَ النَّظَرَ لَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ الْأَوَّلِ.
17 -وَمَا رَجَعَ عَنْهُ الْمُجْتَهِدُ مِنْ أَقْوَالِهِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمُقَلِّدِ الْإِفْتَاءُ بِهِ، لِأَنَّهُ بِرُجُوعِهِ عَنْهُ لَمْ يُعَدَّ قَوْلًا لَهُ، وَهَذَا مَا لَمْ يُرَجِّحْهُ أَهْلُ التَّرْجِيحِ، وَمِنْ هُنَا تُرِكَ الْقَدِيمُ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ الَّتِي خَالَفَهَا فِي الْجَدِيدِ، إلَّا مَسَائِلَ مَعْدُودَةً يُعْمَلُ فِيهَا بِالْقَدِيمِ رَجَّحَهَا أَهْلُ التَّرْجِيحِ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ فِي حِلٍّ مَنْ رَوَى عَنِّي الْقَدِيمَ.
وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ، صَحِيحَ الِاسْتِنْبَاطِ، فَلَا تَصْلُحُ فُتْيَا الْغَبِيِّ، وَلَا مَنْ كَثُرَ غَلَطُهُ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِطَبْعِهِ شَدِيدَ الْفَهْمِ لِمَقَاصِدِ الْكَلَامِ وَدَلَالَةِ الْقَرَائِنِ، صَادِقَ الْحُكْمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ: أَنْ تَكُونَ لَهُ قَرِيحَةٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: شَرْطُ الْمُفْتِي كَوْنُهُ فَقِيهَ