فهرس الكتاب
وَهِيَ التَّهْدِيدُ وَالْإِرْعَابُ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحُكُومَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ دَفَعَا إلَى امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَدِيعَةً وَقَالَا لَهَا: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَلَبِثَا حَوْلًا وَجَاءَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ: إنَّ صَاحِبِي قَدْ مَاتَ فَادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ، فَأَبَتْ وَقَالَتْ: إنَّكُمَا قُلْتُمَا لِي: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَتَشَفَّعَ إلَيْهَا بِأَهْلِهَا وَجِيرَانِهَا وَتَلَطَّفَ بِهَا حَتَّى دَفَعَتْهَا إلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: ادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ فَقَالَتْ: إنَّ صَاحِبَكَ جَاءَ وَادَّعَى أَنَّكَ قَدْ مِتَّ وَدَفَعْتُهَا إلَيْهِ، فَتَرَافَعَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ مَكَرَا بِهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمَا لَهَا: لَا تَدْفَعِي إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: فَاذْهَبْ فَجِيءَ بِصَاحِبِكَ حَتَّى تَدْفَعَهَا إلَيْكُمَا، فَذَهَبَ، وَلَمْ يَرْجِعْ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ شَابًّا شَكَا إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفَرًا فَقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مَعَ أَبِي فِي سَفَرٍ فَعَادُوا وَلَمْ يَعُدْ أَبِي، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْهُ فَقَالُوا مَاتَ، فَسَأَلْتُهُمْ عَنْ مَالِهِ فَقَالُوا مَا تَرَكَ شَيْئًا وَكَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَارْتَفَعَا إلَى شُرَيْحٍ فَاسْتَحْلَفَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَدَعَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالشُّرْطَةِ فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يُمَكِّنُوا بَعْضَهُمْ يَدْنُو مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا يُكَلِّمُهُمْ، وَدَعَا كَاتِبَهُ وَدَعَا أَحَدَهُمْ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِ هَذَا الْفَتَى فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ؟ وَفِي أَيِّ مَنْزِلٍ نَزَلَ مَعَكُمْ؟ وَكَيْفَ كَانَ سَيْرُكُمْ وَبِأَيِّ عِلَّةٍ مَاتَ؟ وَكَيْفَ أُصِيبَ بِمَالِهِ، وَسَأَلَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ وَدَفَنَهُ؟ وَمَنْ تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ؟ وَأَيْنَ دُفِنَ؟ وَالْكَاتِبُ يَكْتُبُ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ مَعَهُ، وَالْمُتَّهَمُونَ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ قَدْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ بَعْدَ أَنْ غَيَّبَ الْأَوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ فَسَأَلَ كَمَا سَأَلَ صَاحِبَهُ ثُمَّ غَيَّبَهُ، وَطَلَبَ الْآخَرَ وَسَأَلَ حَتَّى عَرَفَ مَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، فَوَجَدَ كُلَّ وَاحِدٍ يُخْبِرُ بِضِدِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَوَّلِ فَقَالَ: يَا عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتُ غَدْرَكَ وَكَذِبَكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ أَصْحَابِكَ وَمَا يُنْجِيكَ مِنْ الْعُقُوبَةِ إلَّا الصِّدْقُ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْقَوْمُ الْحَالَ لَمْ يَشُكُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ مِنْهُمْ فَهَدَّدَهُ فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كُنْتُ كَارِهًا لِمَا صَنَعُوا ثُمَّ دَعَا الْجَمِيعَ فَأَقَرُّوا بِالْقِصَّةِ، وَاسْتَدْعَى الْأَوَّلَ، وَقَالَ لَهُ: قَدْ أَقَرَّ أَصْحَابُكَ وَلَا يُنْجِيكَ سِوَى الصِّدْقِ، فَأَقَرَّ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَأَغْرَمَهُمْ الْمَالَ، وَقَادَ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ، وَهَذَا مِنْ السِّيَاسَةِ الْحَسَنَةِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُ تَفْرِيقِ الشُّهُودِ إذَا اسْتَرَابَ الْقَاضِي مِنْهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى رَاسِهِ فَادَّعَى الْمَضْرُوبُ أَنَّهُ أُخْرِسَ وَرُفِعَتْ الْقَضِيَّةُ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يُخْرِجُ لِسَانَهُ وَيُنْخَسُ بِإِبْرَةٍ، فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ أَحْمَرَ فَهُوَ صَحِيحُ اللِّسَانِ، وَإِنْ خَرَجَ أَسْوَدَ فَهُوَ أَخْرَسُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي مَوْلُودٍ وُلِدَ وَلَهُ رَاسَانِ وَصَدْرَانِ فِي حَقْوٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ لَهُ أَيُوَرَّثُ مِيرَاثَ اثْنَيْنِ أَوْ مِيرَاثَ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَنَامَ ثُمَّ يُصَاحَ بِهِ، فَإِنْ انْتَبَهَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ مِيرَاثُ وَاحِدٍ، وَإِنْ انْتَبَهَ وَاحِدٌ وَبَقِيَ وَاحِدٌ كَانَ لَهُ مِيرَاثُ اثْنَيْنِ. وَأَمَّا مَا ذُكِرَ مِنْ سِيَاسَةِ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْقُضَاةِ وَاسْتِخْرَاجِهِمْ الْحُقُوقَ بِالطُّرُقِ السِّيَاسِيَّةِ فَيَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ.
بَابُ أَنَّ الْأَسِيرَ إذَا أَسْلَمَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ 3423 - (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِي عُقَيْلٍ فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ وَأَصَابُوا مَعَهُ