فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 537

تَعَالَى إنَّمَا قَالَ {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فَبَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ بِلَا شَكٍّ. وَهَذَا مِمَّا خَالَفَ فِيهِ مَالِكٌ شَيْخَيْهِ: رَبِيعَةَ، وَالزُّهْرِيَّ، لِأَنَّهُمَا جَعَلَا فِي جِنَايَةِ الْعَمْدِ فِي الْعَيْنِ الْخِيَارَ بَيْنَ الْقَوَدِ، أَوْ الدِّيَةِ - وَهُوَ لَا يَرَى فِيهَا إلَّا الْقَوَدَ فَقَطْ - وَهُمَا كَبْشَا الْمَدِينَةِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَالْحُكْمُ فِي هَذَا هُوَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ الْفَاقِئِ، وَالْكَاسِرِ، وَالْقَاطِعِ وَالضَّارِبِ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ، وَيُعَزَّرُ الْمُمْسِكُ، وَيُسْجَنُ، عَلَى مَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ} . وَلِأَمْرِهِ صلى الله عليه وسلم بِالتَّعْزِيرِ فِي كُلِّ مَا دُونَ الْحَدِّ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَأَقَلَّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي"بَابِ التَّعْزِيرِ"إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ"كِتَابِ الْحُدُودِ". فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّكُمْ تَقُولُونَ فِيمَنْ أَمْسَكَ آخَرَ لِلْقَتْلِ فَقُتِلَ: إنَّهُ يُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ، فَهَذَا خِلَافٌ لِمَا قُلْتُمْ هَاهُنَا أَمْ لَا؟ فَجَوَابُنَا - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ مُخَالِفًا لِشَيْءٍ مِنْهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا يُوصَفُ بِهِ - وَكَانَ بِهِ مُتَعَدِّيًا - فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُتَعَدَّى عَلَيْهِ بِمِثْلِهِ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَالْمُمْسِكُ آخَرَ حَتَّى قُتِلَ، مُمْسَكٌ لَهُ، وَحَابِسٌ حَتَّى مَاتَ، وَلَيْسَ قَاتِلًا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَمُوتَ، فَهُوَ مِثْلُ مَا اعْتَدَى بِهِ، وَلَا نُبَالِي بِطُولِ الْمُدَّةِ مِنْ قِصَرِهَا إذْ لَمْ يَاتِ بِمُرَاعَاةِ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ

وقال ابن العربي:

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا: الْجَزَاءُ عَلَى الْمُثْلَةِ عُقُوبَةٌ؛ فَأَمَّا ابْتِدَاءً فَلَيْسَ بِعُقُوبَةٍ، وَلَكِنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِهَا، كَمَا قَالَ: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَكَمَا قَالَ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ؛ وَعَادَةُ الْعَرَبِ هَكَذَا فِي الِازْدِوَاجِ، فَجَاءَ الْقُرْآنُ عَلَى حُكْمِ اللُّغَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ جَوَازُ التَّمَاثُلِ فِي الْقِصَاصِ، فَمَنْ قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِهَا، وَكَذَلِكَ مِنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ عُودٍ اُمْتُثِلَ فِيهِ مَا فَعَلَ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَةِ وَالْمَائِدَةِ وَغَيْرِهَا، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قوله تعالى: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} : إشَارَةٌ إلَى فَضْلِ الْعَفْوِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَةِ وَغَيْرِهَا. وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ

وفي مغني المحتاج:

(وَمَنْ قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ) كَسَيْفٍ أَوْ بِمُثْقَلٍ كَحَجَرٍ (أَوْ خَنِقٍ) بِكَسْرِ النُّونِ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ، وَبِسُكُونِهِ عَنْ خَالِهِ الْفَارَابِيِّ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فِي تَحْرِيرِهِ مَعَ تَجْوِيزِهِ فَتْحَ الْخَاءِ وَكَسْرِهَا، وَمَعْنَاهُ عَصْرُ الْحَلْقِ (أَوْ تَجْوِيعٍ وَنَحْوِهِ) كَتَغْرِيقٍ أَوْ تَحْرِيقٍ وَإِلْقَاءٍ مِنْ شَاهِقٍ (اُقْتُصَّ بِهِ) أَيْ اقْتَصَّ الْوَلِيُّ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّ الْمُمَاثَلَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِاسْتِيفَاءِ لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ} (وقوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} ) وقوله تعالى: ( {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {رَضَّ رَاسَ يَهُودِيٍّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، وَكَانَ قَدْ قَتَلَ جَارِيَةً بِذَلِكَ} وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا {مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ} وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقِصَاصِ التَّشَفِّي، وَإِنَّمَا يَكْمُلُ إذَا قُتِلَ الْقَاتِلُ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ، وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَجَبَ قَتْلُهُ، لَا عَلَى وَجْهِ الْمُكَافَأَةِ.

كِتَابُ الصِّيَالِ هُوَ وَالْمُصَاوَلَةُ: الِاسْتِطَالَةُ وَالْوُثُوبُ، وَالصَّائِلُ الظَّالِمُ (وَضَمَانِ الْوُلَاةِ) وَأَدْرَجَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حُكْمَ الْخِتَانِ وَإِتْلَافِ الْبَهَائِمِ، وَعَقَدَ فِي الرَّوْضَةِ لِإِتْلَافِ الْبَهَائِمِ بَابًا، وَذَكَرَ حُكْمَ الْخِتَانِ فِي بَابِ ضَمَانِ إتْلَافِ الْإِمَامِ. وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَافْتَتَحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ بِخَبَرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت