تَابِعِهِ أَوْ فِي حُضُورِ التَّابِعِ وَهُوَ لَا يَخَافُ مِنْهُ فَلَا يُعْتَبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَعَلَهُ طَوْعًا بَعْدَ زَوَالِ الْإِكْرَاهِ وَخَوْفًا مِنْ عَوْدَةِ الْإِكْرَاهِ وَإِنْ غَابَ الْمُكْرَهُ عَنْ نَظَرِ مَنْ أَكْرَهَهُ يَزُولُ الْإِكْرَاهُ، (صُرَّةُ الْفَتَاوَى) . وَعَلَيْهِ فَلَوْ أَرْسَلَ أَحَدٌ لِآخَرَ رَسُولًا لِيُحْضِرَ فُلَانًا إنْ لَمْ يَفْعَلْ الشَّيْءَ الْفُلَانِيَّ وَكَانَ الرَّسُولُ الْمَذْكُورُ مُقْتَدِرًا عَلَى إحْضَارِهِ، وَخَافَ الْمُرْسَلُ إلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَهُ ذَلِكَ الشَّخْصُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ الشَّيْءَ الْمَذْكُورَ، وَفَعَلَ ذَلِكَ الشَّخْصُ الشَّيْءَ الْمُكْرَهَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِ الرَّسُولِ، كَانَ إكْرَاهًا وَإِلَّا فَلَا. وَيَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا أَنَّ أَعْوَانَ الظُّلْمَةِ لَا يَعْذِرُونَ فِي أَحَدِهِمْ ظُلْمًا فِي غِيَابِ الظَّالِمِ أَوْ رَسُولِهِ، (رَدُّ الْمُحْتَارِ) . مَثَلًا لَوْ أَكْرَهَ أَحَدٌ آخَرَ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ وَذَهَبَ الْمُكْرَهُ وَبَاعَ مَالَهُ فِي غِيَابِ الْمُجْبِرِ وَمَنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَلَا يُعْتَبَرُ الْإِكْرَاهُ وَيَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا وَمُعْتَبَرًا، (النَّتِيجَةُ) . كَذَلِكَ لَوْ قَبِلَ أَحَدٌ بِالْوَكَالَةِ عَنْ رَجُلٍ غَائِبٍ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ عَلَى مَهْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا أَنَّ زَوْجِي أَجْبَرَنِي قَبْلَ الْغَيْبَةِ عَلَى الْقَبُولِ الْمَذْكُورِ فَقَبِلَ الْوَكِيلُ طَلَاقِي عَلَى مَهْرِي، فَإِنَّنِي أُرِيدُ مَهْرِي، (عَلِيٌّ أَفَنْدِي مُلَخَّصًا) .
وفي مسند أحمد (1098) عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» وهو صحيح مشهور
و عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ كَيْفَ بِكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِذَا كَانَ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُضَيِّعُونَ السُّنَّةَ وَيُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا قَالَ كَيْفَ تَامُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «تَسْأَلُنِي ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَيْفَ تَفْعَلُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» أخرجه أحمد (3879) بإسناد صحيح
وفي صحيح البخاري (4085) ومسلم (1840) عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ فَغَضِبَ فَقَالَ أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي قَالُوا بَلَى قَالَ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوهَا فَقَالَ ادْخُلُوهَا فَهَمُّوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ فَسَكَنَ غَضَبُهُ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ
هذا موافق للأحاديث الباقية أنه لا طاعة في معصية، إنما هي في المعروف، وهذا الذي فعله هذا الأمير قيل: أراد امتحانهم، وقيل: كان مازحا، قيل: إن هذا الرجل عبد الله بن حذافة السهمي، وهذا ضعيف، لأنه قال في الرواية التي بعدها: إنه رجل من الأنصار، فدل على أنه غيره. قوله صلى الله عليه وسلم: (لو دخلتموها لم تزالوا فيها إلى يوم القيامة) هذا مما علمه صلى الله عليه وسلم بالوحي، وهذا التقييد بيوم القيامة مبين للرواية المطلقة بأنهم لا يخرجون منها لو دخلوها،
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح:
قوله: (ما خرجوا منها إلى يوم القيامة) في رواية حفص"ما خرجوا منها أبدا"وفي رواية زبيد"فلم يزالوا فيها إلى يوم القيامة"يعني أن الدخول فيها معصية، والعاصي يستحق النار. ويحتمل أن يكون المراد لو دخلوها مستحلين لما خرجوا منها أبدا. وعلى هذا ففي العبارة نوع من أنواع البديع وهو الاستخدام، لأن الضمير في قوله:"لو دخلوها"