فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 537

34 -الْأَوْلَى لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِعَمَلِهِ وَلَا يَاخُذُ عَلَيْهِ شَيْئًا. وَإِنْ تَفَرَّغَ لِلْإِفْتَاءِ فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ عَلَيْهِ رِزْقًا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَاشْتَرَطَ الْفَرِيقَانِ لِجَوَازِ ذَلِكَ شَرْطَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ كِفَايَةٌ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ بِالْبَلَدِ عَالِمٌ يَقُومُ مَقَامَهُ، أَوْ كَانَ لَهُ كِفَايَةٌ لَمْ يَجُزْ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا فَفِيهِ وَجْهَانِ، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ الْقِيَاسِ عَلَى عَامِلِ الزَّكَاةِ أَوْ عَلَى الْعَامِلِ فِي مَالِ الْيَتِيمِ. وَأَلْحَقَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَالصَّيْمَرِيُّ بِذَلِكَ: أَنْ يَحْتَاجَ أَهْلُ بَلَدٍ إلَى مَنْ يَتَفَرَّغُ لِفَتَاوِيهِمْ، وَيَجْعَلُوا لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَيَحُوزُ، وَلَا يَصْلُحُ ذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، قَالَ الْخَطِيبُ: وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْرِضَ لِمَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلْفَتْوَى فِي الْأَحْكَامِ مَا يُغْنِيهِ عَنْ الِاحْتِرَافِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مِائَةَ دِينَارٍ فِي السَّنَةِ. وَأَمَّا الْأُجْرَةُ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ أَعْيَانِ الْمُسْتَفْتِينَ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، قَالَ الْحَنَابِلَةُ: لِأَنَّ الْفُتْيَا عَمَلٌ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، وَلِأَنَّهُ مَنْصِبُ تَبْلِيغٍ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَلَا تَجُوزُ الْمُعَاوَضَةُ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: لَا أُعَلِّمُك الْإِسْلَامَ أَوْ الْوُضُوءَ أَوْ الصَّلَاةَ إلَّا بِأُجْرَةٍ، قَالُوا: فَهَذَا حَرَامٌ قَطْعًا، وَعَلَيْهِ رَدُّ الْعِوَضِ، وَلَا يَمْلِكُهُ، قَالُوا: وَيَلْزَمُهُ الْإِجَابَةُ مَجَّانًا لِلَّهِ بِلَفْظِهِ أَوْ خَطِّهِ إنْ طَلَبَ الْمُسْتَفْتِي الْجَوَابَ كِتَابَةً، لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ الْوَرَقُ وَالْحِبْرُ. وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَخْذَ الْمُفْتِي الْأُجْرَةَ عَلَى الْكِتَابَةِ، لِأَنَّهُ كَالنَّسْخِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْفَتْوَى إنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ.

أَخْذُ الْمُفْتِي الْهَدِيَّةَ:

35 -الْأَصْلُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُفْتِي أَخْذُ الْهَدِيَّةِ مِنْ النَّاسِ بِخِلَافِ الْقَاضِي، وَالْأَوْلَى لَهُ أَنْ يَاخُذَهَا وَيُكَافِئَ عَلَيْهَا، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ {كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا} وَهَذَا إنْ كَانَتْ بِغَيْرِ سَبَبِ الْفُتْيَا، لِأَنَّهُ إنَّمَا يُهْدَى إلَيْهِ لِعِلْمِهِ، بِخِلَافِ الْقَاضِي. وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ الْفُتْيَا فَالْأَوْلَى عَدَمُ الْقَبُولِ، لِيَكُونَ إفْتَاؤُهُ خَالِصًا لِلَّهِ، وَهَذَا إنْ كَانَ إفْتَاؤُهُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ مَنْ يُهْدِيهِ وَمَنْ لَا يُهْدِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُهْدِيهِ لِتَكُونَ سَبَبًا إلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ مِنْ الرُّخَصِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُهَا، وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: إنْ كَانَتْ سَبَبًا لِيُرَخِّصَ لَهُ بِوَجْهٍ صَحِيحٍ فَأَخْذُهَا مَكْرُوهٌ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ بَاطِلٍ فَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ، يُبَدِّلُ أَحْكَامَ اللَّهِ، وَيَشْتَرِي بِهَا ثَمَنًا قَلِيلًا. وَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلْمَالِكِيَّةِ: يَجُوزُ لِلْمُفْتِي قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَا يَرْجُو مِنْهُ جَاهًا وَلَا عَوْنًا عَلَى خَصْمٍ.

الْخَطَأُ فِي الْفُتْيَا:

36 -إذَا أَخْطَأَ الْمُفْتِي، فَإِنْ كَانَ خَطَؤُهُ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ، أَوْ كَانَ أَهْلًا لَكِنَّهُ لَمْ يَبْذُلْ جَهْدَهُ بَلْ تَعَجَّلَ، يَكُونُ آثِمًا، لِحَدِيثِ {إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا} . أَمَّا إنْ كَانَ أَهْلًا وَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، بَلْ لَهُ أَجْرُ اجْتِهَادِهِ، قِيَاسًا عَلَى مَا وَرَدَ فِي خَطَأِ الْقَاضِي، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {إذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ} .

رُجُوعُ الْمُفْتِي عَنْ فُتْيَاهُ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت