"مَسْأَلَةٌ"وَمَنْ أَمَرَ بِقَتْلِ غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ أَثِمَ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم {مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ} الْخَبَرَ. وَيُفَسَّقُ الْمُمْتَثِلُ إنْ لَمْ يُكْرَهْ، لقوله تعالى {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ} الْخَبَرَ وَنَحْوَهُ. وَلَا قَوَدَ عَلَى الْآمِرِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ اتِّفَاقًا، إذْ الْمُبَاشِرُ غَيْرُهُ.
(قَوْلُهُ) {مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ الْخَبَرَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَصْبَهَانِيّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم {مَنْ أَعَانَ عَلَى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ. (قَوْلُهُ) {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} الْخَبَرَ وَنَحْوَهُ، لَفْظُهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا {لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ} . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ {عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ} أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إلَّا الْمُوَطَّأَ
وفي الزواجر عن اقتراف الكبائر:
(الْكَبِيرَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ وَالسَّادِسَةَ عَشْرَةَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ: الْإِعَانَةُ عَلَى الْقَتْلِ الْمُحَرَّمِ أَوْ مُقَدِّمَاتِهِ وَحُضُورُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى دَفْعِهِ فَلَمْ يَدْفَعْهُ) أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَصْبَهَانِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} ، وَمَرَّ هَذَا الْحَدِيثُ قَرِيبًا مَعَ بَيَانِ مَعْنَاهُ. وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: {لَا يَقِفَنَّ أَحَدُكُمْ مَوْقِفًا يُقْتَلُ فِيهِ رَجُلٌ ظُلْمًا فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ حِينَ لَمْ يَدْفَعُوا عَنْهُ} . وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: {مَنْ جَرَحَ ظَهْرَ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ} ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: {ظَهْرُ الْمُؤْمِنِ حِمًى إلَّا بِحَقِّهِ} . وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا ابْنَ لَهِيعَةَ: {لَا يَشْهَدُ أَحَدُكُمْ قَتِيلًا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا فَتُصِيبُهُ السَّخْطَةُ} . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدِ رِجَالِهِ كَذَلِكَ: {لَا يَشْهَدُ أَحَدُكُمْ قَتِيلًا فَعَسَى أَنْ يُقْتَلَ مَظْلُومًا فَتَنْزِلَ السَّخْطَةُ عَلَيْهِمْ فَتُصِيبَهُ مَعَهُمْ} . تَنْبِيهٌ: عَدُّ الْأُولَى مِنْ هَذَيْنِ هُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَالثَّانِيَةِ هُوَ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْت الْحَلِيمِيَّ ذَكَرَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَقَالَ:"إذَا دَلَّ عَلَى مَطْلُوبٍ لِيُقْتَلَ ظُلْمًا أَوْ أَحْضَرَ لِمُرِيدِ الْقَتْلِ سِكِّينًا فَهَذَا كُلُّهُ مُحَرَّمٌ لِدُخُولِهِ فِي قوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} لَكِنَّهَا صَغَائِرُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهَا لَيْسَ لِأَنْفُسِهَا بَلْ لِكَوْنِهَا ذَرَائِعَ إلَى التَّمْكِينِ مِنْ ظُلْمِهِ فَأَكْثَرُ مَا فِي إعَانَةِ الْقَاتِلِ بِهَا أَنَّ الْمُعِينَ يَصِيرُ مُشَارِكًا لَهُ فِي الْقَصْدِ، وَالْقَصْدُ إذَا خَلَا عَنْ الْفِعْلِ لَا يَكُونُ كَبِيرَةً وَكَذَلِكَ سُؤَالُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ طَاعَتُهُ أَنْ يَقْتُلَ آخَرَ لَيْسَ مِنْ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا إرَادَةُ هَلَاكِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِعْلٌ انْتَهَى. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اصْطِلَاحِهِ الْغَرِيبِ الْآتِي عَلَى الْأَثَرِ، وَالْمُوَافِقِ لِكَلَامِهِمْ وَالْأَحَادِيثِ مَا ذَكَرْته، وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ أَوَّلَهَا ضَعِيفٌ وَهُوَ: {مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ} ، إلَخْ. ثُمَّ رَأَيْت الْأَذْرَعِيَّ اعْتَرَضَ الْحَلِيمِيَّ فَقَالَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الدَّلَالَةَ عَلَى الْقَتْلِ مِنْ الصَّغَائِرِ مُشْكِلٌ لَا يَسْمَحُ الْأَصْحَابُ بِمُوَافَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَقَدْ عَدُّوا مِنْ الْكَبَائِرِ السِّعَايَةَ إلَى السُّلْطَانِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى قَتْلِ الْمَعْصُومِ ظُلْمًا أَقْبَحُهَا. وَفِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ: مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ"