كُلَّ أَحَدٍ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الشَّرْطَ غَيْرُهُمْ، وَكَذَا لَمْ يَذْكُرُوا فِي الشُّرُوطِ الْبَصَرَ، فَتَصِحُّ فُتْيَا الْأَعْمَى، وَصَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ.
أَمَّا مَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي فَهُوَ أُمُورٌ:
12 -أ - الْإِسْلَامُ: فَلَا تَصِحُّ فُتْيَا الْكَافِرِ.
ب - الْعَقْلُ: فَلَا تَصِحُّ فُتْيَا الْمَجْنُونِ.
ج - الْبُلُوغُ: فَلَا تَصِحُّ فُتْيَا الصَّغِيرِ.
13 -د: الْعَدَالَةُ: فَلَا تَصِحُّ فُتْيَا الْفَاسِقِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ الْإِفْتَاءَ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَخَبَرُ الْفَاسِقِ لَا يُقْبَلُ، وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ إفْتَاءَ الْفَاسِقِ نَفْسَهُ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَ نَفْسِهِ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يَصْلُحُ مُفْتِيًا، لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ لِئَلَّا يُنْسَبَ إلَى الْخَطَأِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: تَصِحُّ فُتْيَا الْفَاسِقِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ وَدَاعِيًّا إلَى بِدْعَتِهِ، وَذَلِكَ إذَا عَمَّ الْفُسُوقُ وَغَلَبَ، لِئَلَّا تَتَعَطَّلَ الْأَحْكَامُ، وَالْوَاجِبُ اعْتِبَارُ الْأَصْلَحِ فَالْأَصْلَحِ. وَأَمَّا الْمُبْتَدِعَةُ، فَإِنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُمْ مُكَفِّرَةً أَوْ مُفَسِّقَةً لَمْ تَصِحَّ فَتَاوَاهُمْ، وَإِلَّا صَحَّتْ فِيمَا لَا يَدْعُونَ فِيهِ إلَى بِدَعِهِمْ، قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ: تَجُوزُ فَتَاوَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَمَنْ لَا نُكَفِّرُهُ بِبِدْعَتِهِ وَلَا نُفَسِّقُهُ، وَأَمَّا الشُّرَاةُ وَالرَّافِضَةُ الَّذِينَ يَشْتُمُونَ الصَّحَابَةَ وَيَسُبُّونَ السَّلَفَ فَإِنَّ فَتَاوِيَهُمْ مَرْذُولَةٌ وَأَقَاوِيلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ.
14 -هـ - الِاجْتِهَادُ وَهُوَ: بَذْلُ الْجَهْدِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، لقوله تعالى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، قَالَ الشَّافِعِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْخَطِيبُ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُفْتِيَ فِي دِينِ اللَّهِ، إلَّا رَجُلًا عَارِفًا بِكِتَابِ اللَّهِ: بِنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَمُحْكَمِهِ وَمُتَشَابَهِهِ، وَتَاوِيلِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَمَكِّيِّهِ وَمَدَنِيِّهِ، وَمَا أُرِيدَ بِهِ، وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ بَصِيرًا بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَعْرِفُ مِنْ الْحَدِيثِ مِثْلَ مَا عَرَفَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَيَكُونُ بَصِيرًا بِاللُّغَةِ، بَصِيرًا بِالشِّعْرِ، وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِلسُّنَّةِ وَالْقُرْآنِ وَيَسْتَعْمِلُ هَذَا مَعَ الْإِنْصَافِ، وَيَكُونُ مُشْرِفًا عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ، وَتَكُونُ لَهُ قَرِيحَةٌ بَعْدَ هَذَا، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَيُفْتِيَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَكَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ. ا هـ. وَهَذَا مَعْنَى الِاجْتِهَادِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ قَرِيبًا مِنْ هَذَا عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَمَفْهُومُ هَذَا الشَّرْطِ: أَنَّ فُتْيَا الْعَامِّيِّ وَالْمُقَلِّدِ الَّذِي يُفْتِي بِقَوْلِ غَيْرِهِ لَا تَصِحُّ،
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ:
وَفِي فُتْيَا الْمُقَلِّدِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْفُتْيَا بِالتَّقْلِيدِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلْمٍ، وَلِأَنَّ الْمُقَلِّدَ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الشَّافِعِيَّةِ وَأَكْثَرِ الْحَنَابِلَةِ. الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِهِ، فَأَمَّا أَنْ يَتَقَلَّدَ لِغَيْرِهِ وَيُفْتِيَ بِهِ فَلَا. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ، قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ ابْنِ الْهُمَامِ: وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَايُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ، فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ إذَا سُئِلَ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ، فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى، بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامِ الْمُفْتِي لِيَاخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي. ا هـ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَهُ عَلَى وَجْهِ الْحِكَايَةِ وَلَا يَجْعَلُهُ كَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِهِ هُوَ، وَمَقْصُودُهُمْ أَنَّ فُتْيَا الْمُقَلِّدِ لَيْسَتْ بِفُتْيَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَتُسَمَّى فُتْيَا مَجَازًا لِلشَّبَهِ، وَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِهَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ لِقِلَّةِ