طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَامُرُونَ بِهِ لِأَنَّهُمْ يَامُرُونَهُمْ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ. وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرُوهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَدْرُونَ أَيَنْتَفِعُونَ بِهِ أَمْ لَا، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الطَّاعَةِ ثَابِتَةٌ بِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ. وَمَا تَرَدَّدَ لَهُمْ مِنْ الرَّايِ فِي أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ مُنْتَفَعٌ أَوْ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ الْمَقْطُوعِ. . 166 - وَقَدْ تَكُونُ طَاعَةُ الْأَمِيرِ فِي الْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ خَيْرًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقِتَالِ. وَقَدْ يَكُونُ الظَّاهِرُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ (48 آ) الْجُنْدُ يَدُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَمِيرِ، وَلَا يَرَى الصَّوَابَ فِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقِيقَةُ عَامَّةُ الْجُنْدِ. فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِمْ الطَّاعَةُ مَا لَمْ يَامُرْهُمْ بِأَمْرٍ يَخَافُونَ فِيهِ الْهَلَكَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ رَايِ جَمَاعَتِهِمْ، لَا يَشُكُّونَ فِي ذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ هَكَذَا فَلَا طَاعَةَ لَهُ عَلَيْهِمْ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} . وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ رضي الله عنه {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ سَرِيَّةً وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَمِيرًا. فَغَضِبَ عَلَيْهِمْ أَمِيرُهُمْ فَأَجَّجَ نَارًا وَقَالَ: قَدْ أُمِرْتُمْ بِطَاعَتِي فَاقْتَحِمُوهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: نَدْخُلُهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا نَدْخُلُهَا، فَإِنَّا أَسْلَمْنَا فِرَارًا مِنْ النَّارِ. فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، فَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ لَا فِي الْمُنْكَرِ} . وَمَعْنَى قَوْلِهِ:"مَا خَرَجُوا مِنْهَا"، أَيْ يُنْقَلُونَ مِنْهَا إلَى نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ أَكْبَرُ الرَّايِ فِيمَا لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَى حَقِيقَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ. 167 - فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ لَوْ أَطَاعُوهُ هَلَكُوا، كَانَ أَمْرُهُ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ قَصْدًا مِنْهُ إهْلَاكَهُمْ وَاسْتِخْفَافًا بِهِمْ. وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الطَّاعَةَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ} 168 - وَإِنْ كَانَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ مُخْتَلِفِينَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ الْهَلَكَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ النَّجَاةُ، فَلْيُطِيعُوا الْأَمِيرَ فِي ذَلِكَ. لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ، وَلِأَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ الطَّاعَةِ فَتْحُ لِسَانِ اللَّائِمَةِ عَلَيْهِمْ، وَفِي إظْهَارِ الطَّاعَةِ قَطْعُ ذَلِكَ عَنْهُمْ، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ. 169 - إلَّا أَنْ يَامُرَهُمْ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ لَا يَكَادُ يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ هَلَكَةٌ، أَوْ أَمَرَهُمْ بِمَعْصِيَةٍ، فَحِينَئِذٍ لَا طَاعَةَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ. وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرُوا وَلَا يَخْرُجُوا عَلَى أَمِيرِهِمْ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {مَنْ أَتَاهُ مِنْ أَمِيرِهِ مَا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ فَإِنَّ مَنْ خَالَفَ الْمُسْلِمِينَ قِيدَ شِبْرٍ ثُمَّ مَاتَ مَاتَ مِيتَةَ الْجَاهِلِيَّةِ} . . 170 - وَاسْتَدَلَّ بِمَا رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حِينَ فَتَحَ مَكَّةَ بَعَثَ خَالِدًا إلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَقَاتَلَهُمْ بَعْدَ مَا سَمِعَ الْأَذَانَ مِنْهُمْ، وَبَعْدَ مَا وَضَعُوا السِّلَاحَ. فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُسِرُوا، ثُمَّ قَالَ: لِيَقْتُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ أَسِيرَهُ، فَأَمَّا بَنُو سُلَيْمٍ فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَخَلُّوا أَسْرَاهُمْ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا رضي الله عنه فَوَدَى لَهُمْ مَا أَصَابَهُ خَالِدٌ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ. وَقَدْ مَدَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ عَلَى مَا صَنَعُوا مِنْ تَخْلِيَةِ سَبِيلِ الْأَسْرَى} . فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِلْأَمِيرِ عَلَى جُنْدِهِ فِيمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ، وَلَا فِيمَا كَانَ وَجْهُ الْخَطَأِ فِيهِ بَيِّنًا. فَأَمَّا فِيمَا سِوَى (48 ب) ذَلِكَ فَيَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ لِئَلَّا يَفْشَلُوا وَلَا يَتَنَازَعُوا كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} .
[طَاعَةُ الْأُمَرَاءِ] {وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ طَاعَةِ الْأَمِيرِ الَّذِي أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَضْرَمُوهُ نَارًا، وَأَمَرَهُمْ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ} وَفِي لَفْظٍ {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} وَفِي لَفْظٍ مَنْ أَمَرَكُمْ