وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ فِيهِمَا يَنْبَغِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَاخُذَ مِنْهُ مِقْدَارَ حَقِّهِ. ثُمَّ إذَا أَخَذَ الدَّائِنُ مِنْ مَالِ مَدِينِهِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ حَقِّهِ، وَبِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِغَيْرِ قَضَاءٍ، فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَخَذَ ضَمَانَ الرَّهْنِ. مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: 12 - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى غَيْرِهِ، وَكَانَ مُمْتَنِعًا عَنْ أَدَائِهِ، فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ مِنْ مَالِ الْمَدِينِ قَدْرَ حَقِّهِ، إذَا كَانَ هَذَا الْمَالُ مِنْ جِنْسِ حَقِّ الدَّائِنِ، وَكَذَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى فِي الْمَذْهَبِ، مِنْهَا: أَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَاخُذَ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ غَيْرَ جِنْسِ حَقِّهِ، وَمِنْهَا: أَنَّ لَهُ أَنْ يَاخُذَ مِقْدَارَ حَقِّهِ مِنْ مَالِ غَرِيمِهِ مِنْ الْجِنْسِ أَوْ غَيْرِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَالُ الْمَاخُوذُ وَدِيعَةً عِنْدَ الْآخِذِ، لِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: {أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك} وَقَدْ ذُكِرَ فِي مِنَحِ الْجَلِيلِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ ضَعِيفٌ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ، وَأَنَّ الْمُعْتَمَدَ جَوَازُ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْ الْوَدِيعَةِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إنَّ جَوَازَ أَخْذِ الْحَقِّ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي يُشْتَرَطُ لَهُ أَنْ لَا يَقْدِرَ صَاحِبُ الْحَقِّ عَلَى أَخْذِ حَقِّهِ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ الظَّاهِرِ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ بَيِّنَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ مُنْكِرًا. وَأَضَافَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الْفُرُوقِ: إنَّ جَوَازَ أَخْذِ الْحَقِّ بِدُونِ رَفْعٍ إلَى الْقَاضِي مُقَيَّدٌ بِأَنْ يَكُونَ الْحَقُّ مُجْمَعًا عَلَى ثُبُوتِهِ، وَأَنْ يَتَعَيَّنَ فِيهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاجْتِهَادِ وَالتَّحْرِيرِ فِي تَحْقِيقِ سَبَبِهِ وَمِقْدَارِ مُسَبَّبِهِ، وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ أَخْذُهُ إلَى فِتْنَةٍ وَشَحْنَاءَ، وَأَنْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى فَسَادِ عِرْضٍ أَوْ عُضْوٍ. وَاسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ مِنْ مَذْهَبِهِمْ بِمَا يَلِي: أ - قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَأَنْكَرَهُ وَامْتَنَعَ عَنْ بَذْلِهِ فَقَدْ اعْتَدَى، فَيَجُوزُ أَخْذُ الْحَقِّ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَبِغَيْرِ حُكْمِ الْقَضَاءِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ أَذِنَ بِذَلِكَ. ب - حَدِيثُ هِنْدٍ زَوْجَةِ أَبِي سُفْيَانَ، حَيْثُ أَجَازَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخْذَ مَا يَكْفِيهَا وَيَكْفِي بَنِيهَا بِالْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا، وَبِدُونِ رَفْعٍ إلَى الْحَاكِمِ، وَقَالُوا: إنَّ هَذَا مِنْهُ عليه الصلاة والسلام تَشْرِيعٌ عَامٌّ يُجِيزُ لِكُلِّ ذِي حَقٍّ أَنْ يَاخُذَ حَقَّهُ مِنْ غَرِيمِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْحَاكِمِ إذَا امْتَنَعَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ مِنْ أَدَائِهِ، لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ مَا قَالَهُ لِهِنْدٍ عَلَى سَبِيلِ الْفُتْيَا وَالتَّشْرِيعِ، وَلَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْقَضَاءِ. ج - قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا} ، وَإِنَّ أَخْذَ الْحَقِّ مِنْ الظَّالِمِ نَصْرٌ لَهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ: 13 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إلَى أَنَّ مَا يَسْتَحِقُّهُ الشَّخْصُ عَلَى غَيْرِهِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنًا وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ دَيْنًا، وَالدَّيْنُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْأَدَاءِ أَوْ لَا، وَكَذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ عَلَى مُنْكِرٍ أَوْ عَلَى مُقِرٍّ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ الدَّائِنِ بَيِّنَةٌ أَوْ لَا، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي. أَوَّلًا - إذَا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ عَيْنًا: 14 - قَالَ الشَّافِعِيَّةُ إذَا اسْتَحَقَّ شَخْصٌ عَيْنًا تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ فَلَهُ أَوْ وَلِيِّهِ - إنْ لَمْ يَكُنْ كَامِلَ الْأَهْلِيَّةِ - أَخْذُ الْعَيْنِ الْمُسْتَحَقَّةِ بِلَا رَفْعٍ لِلْقَاضِي وَبِلَا عِلْمِ مَنْ هِيَ تَحْتَ يَدِهِ لِلضَّرُورَةِ إنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ أَخْذِهَا فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا، وَإِلَّا رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى قَاضٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّنْ لَهُ إلْزَامُ الْحُقُوقِ كَمُحْتَسِبٍ وَأَمِيرٍ لَا سِيَّمَا إنْ عَلِمَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَخَلَّصُ إلَّا عِنْدَهُ.
ثَانِيًا - إذَا كَانَ الْمُسْتَحِقُّ دَيْنًا عَلَى غَيْرِ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْأَدَاءِ: 15 - قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إذَا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ دَيْنًا حَالًّا عَلَى غَيْرِ مُمْتَنِعٍ مِنْ الْأَدَاءِ طَالَبَهُ بِهِ لِيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ لِلْمَدِينِ لِأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي الدَّفْعِ مِنْ أَيِّ مَالٍ شَاءَ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَحِقِّ أَخْذُ مَالٍ مُعَيَّنٍ لَهُ جَبْرًا عَنْهُ، فَإِنْ أَخَذَهُ لَمْ يَمْلِكْهُ وَلَزِمَهُ رَدُّهُ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ.
ثَالِثًا - إذَا كَانَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَى مُنْكِرٍ وَلَا بَيِّنَةَ: 16 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ مَنْ اسْتَحَقَّ دَيْنًا عَلَى مُنْكِرٍ لَهُ وَلَا بَيِّنَةَ لِلْمُسْتَحِقِّ لِلدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ جِنْسِ حَقِّهِ مِنْ مَالِ الْمَدِينِ أَوْ مِنْ مَالِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ إنْ ظَفِرَ بِهِ اسْتِقْلَالًا؛ لِعَجْزِهِ عَنْ أَخْذِهِ إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ أَخْذُ غَيْرِ جِنْسِهِ إنْ فُقِدَ جِنْسُ