7 -وَيَدْفَعُ الصَّائِلُ بِالْأَخَفِّ فَالْأَخَفِّ إنْ أَمْكَنَ، فَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِكَلَامٍ أَوْ اسْتِغَاثَةٍ بِالنَّاسِ حُرِّمَ الضَّرْبُ، أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِضَرْبٍ بِيَدٍ حُرِّمَ بِسَوْطٍ، أَوْ بِسَوْطٍ حُرِّمَ بِعَصًا، أَوْ أَمْكَنَ دَفْعُهُ بِقَطْعِ عُضْوٍ حُرِّمَ دَفْعُهُ بِقَتْلٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ جُوِّزَ لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْأَثْقَلِ مَعَ إمْكَانِ تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ بِالْأَخَفِّ. وَعَلَيْهِ فَلَوْ انْدَفَعَ شَرُّهُ بِشَيْءٍ آخَرَ، كَأَنْ وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ نَارٍ، أَوْ انْكَسَرَتْ رِجْلُهُ، أَوْ حَالَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ أَوْ خَنْدَقٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَرْبُهُ، وَإِنْ ضَرَبَهُ ضَرْبَةً عَطَّلَتْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُثْنِيَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كُفَى شَرُّهُ وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ الدَّفْعُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْلُهُ. وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ هُوَ غَلَبَةُ ظَنِّ الْمَصُولِ عَلَيْهِ، فَلَا يَكْفِي تَوَهُّمُ الصِّيَالِ، أَوْ الشَّكُّ فِيهِ، فَإِنْ خَالَفَ التَّرْتِيبَ الْمَذْكُورَ، وَعَدَلَ إلَى رُتْبَةٍ - مَعَ إمْكَانِ دَفْعِهِ بِمَا دُونَهَا - ضَمِنَ، فَإِنْ وَلَّى الصَّائِلُ هَارِبًا فَاتَّبَعَهُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ، وَقَتَلَهُ ضَمِنَ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ، وَكَذَا إنْ ضَرَبَهُ فَقَطَعَ يَمِينَهُ ثُمَّ وَلَّى هَارِبًا فَضَرَبَهُ ثَانِيَةً وَقَطَعَ رِجْلَهُ مَثَلًا فَالرِّجْلُ مَضْمُونَةٌ بِقِصَاصٍ أَوْ دِيَةٍ، فَإِنْ مَاتَ الصَّائِلُ مِنْ سِرَايَةِ الْقَطْعَيْنِ فَعَلَى الْمَصُولِ عَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ فِعْلٍ مَاذُونٍ فِيهِ وَفِعْلٍ آخَرَ غَيْرَ مَاذُونٍ فِيهِ. وَاسْتَثْنَى الْفُقَهَاءُ مِنْ ذَلِكَ صُوَرًا مِنْهَا: أ - لَوْ كَانَ الصَّائِلُ يَنْدَفِعُ بِالسَّوْطِ أَوْ الْعَصَا وَنَحْوِهِمَا، وَالْمَصُولُ عَلَيْهِ لَا يَجِدُ إلَّا السَّيْفَ فَلَهُ الضَّرْبُ بِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ إلَّا بِهِ، وَلَيْسَ بِمُقَصِّرٍ فِي تَرْكِ اسْتِصْحَابِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ. ب - لَوْ الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَنْ الضَّبْطِ فَلَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا لَدَيْهِ، دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ. ج - إذَا ظَنَّ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّائِلَ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا إنْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يَسْبِقْ هُوَ بِهِ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ. وَيُصَدَّقُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ إمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفَعَ بِهِ، لِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. د - إذَا كَانَ الصَّائِلُ مُهْدَرَ الدَّمِ - كَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ - فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي حَقِّهِ بَلْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى قَتْلِهِ، لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ.
9 -لَا يَخْتَلِفُ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ إذَا صَالَ عَلَيْهَا صَائِلٌ: عَنْ قَوْلِهِمْ فِي الدِّفَاعِ عَنْ النَّفْسِ إذَا كَانَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ مَعْصُومَ الدَّمِ، بِأَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا. وَاسْتَدَلُّوا فِي وُجُوبِ الدِّفَاعِ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ وَأَطْرَافِهِ بِنَفْسِ الْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِهَا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ - إذَا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرَمًا - حُكْمُهُ كَحُكْمِ دِفَاعِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَيَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ، وَيَنْتَفِي حَيْثُ يَنْتَفِي، إذْ لَا يَزِيدُ حَقُّ غَيْرِهِ عَلَى حَقِّ نَفْسِهِ، وَمَحَلُّ الْوُجُوبِ - عِنْدَهُمْ - إذَا أَمِنَ الْهَلَاكَ عَلَى نَفْسِهِ، إذْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْعَلَ رُوحَهُ بَدَلًا عَنْ رُوحِ غَيْرِهِ، إلَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي قِتَالِ الْحَرْبِيِّينَ وَالْمُرْتَدِّينَ فَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ بِالْخَوْفِ الظَّاهِرِ، وَهَذَا أَصَحُّ الطُّرُقِ عِنْدَهُمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. أَوَّلُهُمَا: يَجِبُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ غَيْرِهِ وَمَا دُونَهَا مِنْ الْأَطْرَافِ قَطْعًا، لِأَنَّ لَهُ الْإِيثَارَ بِحَقِّ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ - وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ - أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} . ثَانِيهِمَا: لَا يَجُوزُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِ الْغَيْرِ، لِأَنَّ شَهْرَ السِّلَاحِ يُحَرِّكُ الْفِتَنَ، وَخَاصَّةً فِي مَجَالِ نُصْرَةِ الْآخَرِينَ، وَلَيْسَ الدِّفَاعُ عَنْ الْغَيْرِ مِنْ شَانِ آحَادِ النَّاسِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَظِيفَةُ الْإِمَامِ وَوُلَاةِ الْأُمُورِ. وَيَجْرِي هَذَا الْخِلَافُ فِي الْمَذْهَبِ بِالنِّسْبَةِ لِآحَادِ النَّاسِ، أَمَّا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ - مِنْ الْوُلَاةِ - فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ دَفْعُ الصَّائِلِ