فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 537

الْمُفْتِي مُوَقِّعٌ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّهُ قَالَ: الْعَالِمُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ يَدْخُلُ بَيْنَهُمْ.

تَهَيُّبُ الْإِفْتَاءِ وَالْجُرْأَةُ عَلَيْهِ:

7 -وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَوْلُهُ: {أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ} ، وَقَدْ تَقَدَّمَ النَّقْلُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى تَرَادُّ الصَّحَابَةِ لِلْجَوَابِ عَنْ الْمَسَائِلِ. وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي حَدِيثِهِ عَنْهُمْ رِوَايَةً فِيهَا زِيَادَةُ: مَا مِنْهُمْ مَنْ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ إيَّاهُ، وَلَا يُسْتَفْتَى عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا وَنُقِلَ عَنْ سُفْيَانَ وَسَحْنُونٍ: أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الْفُتْيَا أَقَلُّهُمْ عِلْمًا، فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَكُونَ مُتَهَيِّبًا لِلْإِفْتَاءِ، لَا يَتَجَرَّأُ عَلَيْهِ إلَّا حَيْثُ يَكُونُ الْحُكْمُ جَلِيًّا فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ يَكُونُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، أَمَّا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا تَعَارَضَتْ فِيهِ الْأَقْوَالُ وَالْوُجُوهُ وَخَفِيَ حُكْمُهُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَثَبَّتَ وَيَتَرَيَّثَ حَتَّى يَتَّضِحَ لَهُ وَجْهُ الْجَوَابِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّضِحْ لَهُ تَوَقَّفَ. وَفِيمَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٌ أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ يُسْأَلُ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً فَلَا يُجِيبُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا، وَكَانَ يَقُولُ: مَنْ أَجَابَ فَيَنْبَغِي قَبْلَ الْجَوَابِ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَيْفَ خَلَاصُهُ، ثُمَّ يُجِيبَ، وَعَنْ الْأَثْرَمِ قَالَ: سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: لَا أَدْرِي.

(الْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ) :

8 -الْإِفْتَاءُ بِغَيْرِ عِلْمٍ حَرَامٌ، لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَيَتَضَمَّنُ إضْلَالَ النَّاسِ، وَهُوَ مِنْ الْكَبَائِرِ، لقوله تعالى: {قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، فَقَرَنَهُ بِالْفَوَاحِشِ وَالْبَغْيِ وَالشِّرْكِ، وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الْعُلَمَاءِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا} . مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَثُرَ النَّقْلُ عَنْ السَّلَفِ إذَا سُئِلَ أَحَدُهُمْ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لِلسَّائِلِ: لَا أَدْرِي. نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ، وَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ وَيُعَوِّدَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنْ فَعَلَ الْمُسْتَفْتِي بِنَاءً عَلَى الْفَتْوَى أَمْرًا مُحَرَّمًا أَوْ أَدَّى الْعِبَادَةَ الْمَفْرُوضَةَ عَلَى وَجْهٍ فَاسِدٍ، حَمَلَ الْمُفْتِي بِغَيْرِ عِلْمٍ إثْمَهُ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَفْتِي قَصَّرَ فِي الْبَحْثِ عَمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْفُتْيَا، وَإِلَّا فَالْإِثْمُ عَلَيْهِمَا، لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أَفْتَى بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ} .

أَنْوَاعُ مَا يُفْتَى فِيهِ:

9 -يَدْخُلُ الْإِفْتَاءُ الْأَحْكَامَ الِاعْتِقَادِيَّةَ: مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَسَائِرِ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ. وَيَدْخُلُ الْأَحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ جَمِيعَهَا: مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ، وَيَدْخُلُ الْإِفْتَاءُ الْأَحْكَامَ التَّكْلِيفِيَّةَ كُلَّهَا، وَهِيَ الْوَاجِبَاتُ وَالْمُحَرَّمَاتُ وَالْمَنْدُوبَاتُ وَالْمَكْرُوهَاتُ وَالْمُبَاحَاتُ، وَيَدْخُلُ الْإِفْتَاءُ فِي الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ كَالْإِفْتَاءِ بِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ أَوْ التَّصَرُّفِ أَوْ بُطْلَانِهِمَا.

حَقِيقَةُ عَمَلِ الْمُفْتِي:

10 -لَمَّا كَانَ الْإِفْتَاءُ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَنْ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ أُمُورًا: الْأَوَّلُ: تَحْصِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُجَرَّدِ فِي ذِهْنِ الْمُفْتِي، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مَشَقَّةَ فِي تَحْصِيلِهِ لَمْ يَكُنْ تَحْصِيلُهُ اجْتِهَادًا، كَمَا لَوْ سَأَلَهُ سَائِلٌ عَنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مَا هِيَ؟ أَوْ عَنْ حُكْمِ الْإِيمَانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت