وَمِائَةِ سَنَةٍ فِي شِجَارٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْجُلُوسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يُنْكِرْ قَتْلَهُ. (قَالَ) وَرُهْبَانُ الدِّيَاتِ وَالصَّوَامِعِ وَالْمَسَاكِنِ سَوَاءٌ وَلَوْ ثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه خِلَافُ هَذَا لَأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُمْ بِالْجِدِّ عَلَى قِتَالِ مَنْ يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يَتَشَاغَلُونَ بِالْمُقَامِ عَلَى الصَّوَامِعِ عَنْ الْحَرْبِ كَالْحُصُونِ لَا يُشْغَلُونَ بِالْمُقَامِ بِهَا عَمَّا يَسْتَحِقُّ النِّكَايَةَ بِالْعَدُوِّ وَلَيْسَ أَنَّ قِتَالَ أَهْلِ الْحُصُونِ حَرَامٌ، وَكَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَطْعِ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَلَعَلَّهُ لِأَنَّهُ قَدْ حَضَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْطَعُ عَلَى بَنِي النَّضِيرِ وَحَضَرَهُ يَتْرُكُ وَعَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَعَدَهُمْ بِفَتْحِ الشَّامِ فَتَرَكَ قَطْعَهُ لِتَبْقَى لَهُمْ مَنْفَعَتُهُ إذَا كَانَ وَاسِعًا لَهُمْ تَرْكُ قَطْعِهِ. (قَالَ الْمُزَنِيّ) رحمه الله: هَذَا أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالْحَقِّ؛ لِأَنَّ كُفْرَ جَمِيعِهِمْ وَاحِدٌ وَكَذَلِكَ حِلُّ سَفْكِ دِمَائِهِمْ بِالْكُفْرِ فِي الْقِيَاسِ وَاحِدٌ، قَالَ: وَإِذَا أَمَّنَهُمْ مُسْلِمٌ حُرٌّ بَالِغٌ أَوْ عَبْدٌ يُقَاتِلُ أَوْ لَا يُقَاتِلُ أَوْ امْرَأَةٌ فَالْأَمَانُ جَائِزٌ قَالَ صلى الله عليه وسلم {الْمُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ} وَلَوْ خَرَجُوا إلَيْنَا بِأَمَانِ صَبِيٍّ أَوْ مَعْتُوهٍ كَانَ عَلَيْنَا رَدُّهُمْ إلَى مَامَنِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ لَهُمْ وَمَنْ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ أَنَّ عِلْجًا دَلَّ مُسْلِمِينَ عَلَى قَلْعَةٍ عَلَى أَنَّ لَهُ جَارِيَةً سَمَّاهَا فَلَمَّا انْتَهَوْا إلَيْهَا صَالَحَ صَاحِبُ الْقَلْعَةِ عَلَى أَنْ يَفْتَحَهَا لَهُمْ وَيُخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ فَفَعَلَ فَإِذَا أَهْلُهُ تِلْكَ الْجَارِيَةُ. فَأَرَى أَنْ يُقَالَ لِلدَّلِيلِ: إنْ رَضِيت الْعِوَضَ عَوَّضْنَاك بِقِيمَتِهَا وَإِنْ أَبَيْت قِيلَ لِصَاحِبِ الْقَلْعَةِ: أَعْطَيْنَاك مَا صَالَحْنَا عَلَيْهِ غَيْرَك بِجَهَالَةٍ فَإِنْ سَلَّمَتْهَا عَوَّضْنَاك وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ نَبَذْنَا إلَيْك وَقَاتَلْنَاك فَإِنْ كَانَتْ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ أَوْ مَاتَتْ عُوِّضَ وَلَا يَبِينُ ذَلِكَ فِي الْمَوْتِ كَمَا يَبِينُ إذَا أَسْلَمَتْ.
211 -بَابٌ مَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ نُصْرَتُهُ وَبِمَنْ يَبْدَءُونَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: 4451 - إذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَرْضَ الْحَرْبِ فَأُخْبِرُوا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَتَوْا بَعْضَ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَ ثُغُورِهِمْ، فَإِنْ خَافَ الْعَسْكَرُ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ أَلَّا يُطِيقُوا الْعَدُوَّ الَّذِي أَتَاهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَنْفِرُوا إلَيْهِمْ وَيَدْعُوا غَزْوَهُمْ. لِأَنَّهُمْ إذَا خَافُوا عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ فَإِنَّهُ يُفْرَضُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَنْفِرَ إلَيْهِمْ وَيَنْصُرَهُمْ، وَدُخُولُهُمْ دَارَ الْحَرْبِ لِلْعَدُوِّ نَافِلَةٌ لَهُمْ أَوْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَفَرْضُ الْعَيْنِ لَا يُتْرَكُ بِالنَّافِلَةِ، أَوْ بِمَا هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ نَفَرُوا إلَى أَهْلِ الثَّغْرِ يَحْصُلُ فِيهِ شَيْئَانِ اثْنَانِ: قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ، وَنَجَاةُ الْمُسْلِمِينَ. وَلَوْ مَضَوْا عَلَى غَزْوِهِمْ لَا يَحْصُلُ فِيهِ إلَّا قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ الِاشْتِغَالُ بِمَا يَحْصُلُ فِيهِ نَجَاةُ الْمُسْلِمِينَ مَعَ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ أَوْلَى. 4452 - وَإِنْ كَانُوا لَا يَخَافُونَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ، أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّايِ مِنْهُمْ أَنَّ الْقَوْمَ يَنْتَصِفُونَ مِنْهُمْ، فَلَا بَاسَ بِأَنْ يَمْضُوا عَلَى غَزْوِهِمْ وَيَدَعُوهُمْ. لِأَنَّهُ مَا مِنْ عَسْكَرٍ يَخْرُجُونَ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ إلَّا وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ الْعَدُوَّ يَمِيلُونَ إلَى بَعْضِ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ هَذَا لَا يُمْنَعُونَ عَنْ الْخُرُوجِ، فَكَذَلِكَ لَا يَمِيلُونَ عَنْ الْمُضِيِّ فِيهِ إذْ لَوْ لَمْ يَمْضُوا لِهَذَا الْمَعْنَى يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْجِهَادِ أَصْلًا، وَلِأَنَّهُمْ لَوْ مَضَوْا فِي وَجْهِهِمْ تَحْصُلُ النِّكَايَةُ عَلَى الْعَدُوِّ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَإِنَّ أَهْلَ الثُّغُورِ رُبَّمَا يَظْفَرُونَ بِمَنْ أَتَاهُمْ، وَالْعَسْكَرُ كَذَلِكَ بِاَلَّذِينَ قَصَدُوهُمْ، وَكُلَّمَا كَانَتْ النِّكَايَةُ بِالْعَدُوِّ أَكْثَرَ كَانَ ذَلِكَ أَحْسَنَ. 4453 - وَإِنْ كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَهْلِ الثَّغْرِ إنْ لَمْ يُعِنْهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَكَانَ قُرْبُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إنْ أَعَانُوهُمْ يَنْتَصِفُونَ مِنْ الْعَدُوِّ أَوْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّايِ مِنْهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَهُمْ، كَانُوا فِي سَعَةٍ مِنْ الْمُضِيِّ إلَى غَزْوِهِمْ. لِمَا قُلْنَا: إنَّ فِيهِ النِّكَايَةَ بِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ. 4454 - وَإِنْ كَانَ أَكْبَرُ الرَّايِ مِنْهُمْ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْصُرُونَهُمْ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ غَزْوِهِمْ