النَّفْسِ، سَلِيمَ الذِّهْنِ، رَصِينَ الْفِكْرِ، صَحِيحَ النَّظَرِ وَالِاسْتِنْبَاطِ. ا هـ. وَهَذَا يُصَحِّحُ فُتْيَاهُ مِنْ جِهَتَيْنِ: الْأُولَى: صِحَّةُ أَخْذِهِ لِلْحُكْمِ مِنْ أَدِلَّتِهِ. وَالثَّانِيَةُ: صِحَّةُ تَطْبِيقِهِ لِلْحُكْمِ عَلَى الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا، فَلَا يَغْفُلُ عَنْ أَيٍّ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْحُكْمِ، وَلَا يَعْتَقِدُ تَاثِيرَ مَا لَا أَثَرَ لَهُ.
19 -ز - الْفَطَانَةُ وَالتَّيَقُّظُ:
يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ مُتَيَقِّظًا، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: شَرَطَ بَعْضُهُمْ تَيَقُّظَ الْمُفْتِي، قَالَ: وَهَذَا شَرْطٌ فِي زَمَانِنَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمُفْتِي مُتَيَقِّظًا يَعْلَمُ حِيلَ النَّاسِ وَدَسَائِسَهُمْ، فَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ مَهَارَةً فِي الْحِيَلِ وَالتَّزْوِيرِ وَقَلْبِ الْكَلَامِ وَتَصْوِيرِ الْبَاطِلِ فِي صُورَةِ الْحَقِّ، فَغَفْلَةُ الْمُفْتِي يَلْزَمُ مِنْهَا ضَرَرٌ كَبِيرٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِمَكْرِ النَّاسِ وَخِدَاعِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ زَاغَ وَأَزَاغَ، فَالْغِرُّ يَرُوجُ عَلَيْهِ زَغَلُ الْمَسَائِلِ كَمَا يَرُوجُ عَلَى الْجَاهِلِ بِالنَّقْدِ زَغَلُ الدَّرَاهِمِ، وَذُو الْبَصِيرَةِ يُخْرِجُ زَيْفَهَا كَمَا يُخْرِجُ النَّاقِدُ زَغَلَ النُّقُودِ، وَكَمْ مِنْ بَاطِلٍ يُخْرِجُهُ الرَّجُلُ بِحُسْنِ لَفْظِهِ وَتَنْمِيقِهِ فِي صُورَةِ حَقٍّ، بَلْ هَذَا أَغْلَبُ أَحْوَالِ النَّاسِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُفْتِي فَقِيهًا فِي مَعْرِفَةِ أَحْوَالِ النَّاسِ تَصَوَّرَ لَهُ الْمَظْلُومُ فِي صُورَةِ الظَّالِمِ وَعَكْسُهُ، وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا مَا نَبَّهَ إلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُفْتِي أَنْ يَكُونَ عَلَى عِلْمٍ بِالْأَعْرَافِ اللَّفْظِيَّةِ لِلْمُسْتَفْتِي، لِئَلَّا يُفْهَمَ كَلَامُهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، وَهَذَا إنْ كَانَ إفْتَاؤُهُ فِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَلْفَاظِ كَالْأَيْمَانِ وَالْإِقْرَارِ وَنَحْوِهَا.
20 -وَالْقَرَابَةُ وَالصَّدَاقَةُ وَالْعَدَاوَةُ لَا تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ الْفَتْوَى كَمَا تُؤَثِّرُ فِي الْقَضَاءِ وَالشَّهَادَةِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ أَبَاهُ أَوْ ابْنَهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَوْ شَرِيكَهُ أَوْ يُفْتِيَ عَلَى عَدُوِّهِ، فَالْفَتْوَى فِي هَذَا بِمَنْزِلَةِ الرِّوَايَةِ، لِأَنَّ الْمُفْتِيَ فِي حُكْمِ الْمُخْبِرِ عَنْ الشَّرْعِ بِأَمْرٍ عَامٍّ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِشَخْصٍ، وَلِأَنَّ الْفَتْوَى لَا يَرْتَبِطُ بِهَا إلْزَامٌ، بِخِلَافِ حُكْمِ الْقَاضِي. وَيَجُوزُ أَنْ يُفْتِيَ نَفْسَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَابِيَ نَفْسَهُ أَوْ قَرِيبَهُ فِي الْفُتْيَا، بِأَنْ يُرَخِّصَ لِنَفْسِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَيُشَدِّدَ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنْ فَعَلَ قَدَحَ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ، وَنَقَلَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ عَنْ صَاحِبِ الْحَاوِي أَنَّ الْمُفْتِيَ إذَا نَابَذَ فِي فُتْيَاهُ شَخْصًا مُعَيَّنًا صَارَ خَصْمًا، فَتُرَدُّ فَتْوَاهُ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، كَمَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ إذَا وَقَعَتْ. وَقَدْ نَبَّهَ أَحْمَدُ إلَى خِصَالٍ مُكَمِّلَةٍ لِلْمُفْتِي حَيْثُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَنْصِبَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خَمْسُ خِصَالٍ: أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ نُورٌ وَلَا عَلَى كَلَامِهِ نُورٌ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ وَحِلْمٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ، وَأَنْ يَكُونَ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَعَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَالْكِفَايَةُ وَإِلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ، وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ.
21 -لَا خِلَافَ فِي أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي الْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا مَدْخَلَ فِيهِ لِلْقَضَاءِ كَالذَّبَائِحِ وَالْأَضَاحِيِّ. وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إفْتَائِهِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَدْخُلُهَا الْقَضَاءُ. فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ إلَى أَنَّهُ يُفْتِي فِيهَا أَيْضًا بِلَا كَرَاهَةٍ. وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ تُهْمَةٍ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إنْ أَفْتَى فِيهَا تَكُونُ فُتْيَاهُ كَالْحُكْمِ عَلَى الْخَصْمِ، وَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَقْتَ الْمُحَاكَمَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ وَقْتَ الْحُكْمِ، أَوْ تَظْهَرُ لَهُ قَرَائِنُ لَمْ تَظْهَرْ لَهُ عِنْدَ الْإِفْتَاءِ، فَإِنْ حَكَمَ بِخِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ جَعَلَ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ سَبِيلًا لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ شُرَيْحٌ: أَنَا أَقْضِي لَكُمْ وَلَا أُفْتِي، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: يُكْرَهُ لِلْقَاضِي الْإِفْتَاءُ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَذَهَبَ