فهرس الكتاب

الصفحة 405 من 537

الْعُقُوبَاتِ): 4 - لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْأَصْلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْعُقُوبَاتِ مِنْ قِصَاصٍ وَحُدُودٍ وَتَعْزِيرٍ أَنْ يَكُونَ عَنْ طَرِيقِ الْقَضَاءِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ عَظِيمَةُ الْخَطَرِ، حَيْثُ إنَّهَا تُوقَعُ عَلَى النَّفْسِ، وَالْفَائِتُ فِيهَا لَا يُسْتَدْرَكُ، فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ فِي إثْبَاتِهَا وَاسْتِيفَائِهَا، وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالرَّفْعِ إلَى الْحَاكِمِ، لِيَنْظُرَ فِيهَا وَفِي أَسْبَابِهَا وَشُرُوطِهَا، وَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْحَقِّ، الَّذِي يَنْقَادُ فِي الْغَالِبِ لِعَاطِفَتِهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ لَدَيْهِ مِنْ الْوَسَائِلِ اللَّازِمَةِ لِلتَّحَرِّي مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْقَاضِي بِمَا وُضِعَ تَحْتَ يَدَيْهِ مِمَّا يُمْكِنُهُ مِنْ تَقَصِّي الْوَاقِعِ وَكَشْفِ الْحَقَائِقِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ لِلنَّاسِ اسْتِيفَاءُ مَا لَهُمْ مِنْ عُقُوبَاتٍ لَكَانَ فِي ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى تَعَدِّي بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ ادِّعَاؤُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَسْتَوْفُونَ حُقُوقَهُمْ، فَيَكُونُ هَذَا سَبَبًا فِي تَحْرِيكِ الْفِتْنَةِ، وَلِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعُقُوبَاتِ لَا يَنْضَبِطُ إلَّا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ، سَوَاءٌ فِي شِدَّةِ إيلَامِهَا كَالْجَلْدِ، أَوْ فِي قَدْرِهَا كَالتَّعْزِيرِ. وَاسْتَثْنَى فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ مِمَّا تَقَدَّمَ حَالَةَ عَجْزِ صَاحِبِ الْحَقِّ فِي الْعُقُوبَةِ عَنْ تَحْصِيلِهَا بِوَاسِطَةِ الْحَاكِمِ، بِسَبَبِ الْبُعْدِ عَنْهُ، فَأَجَازُوا لِمَنْ وَجَبَ لَهُ تَعْزِيرٌ أَوْ حَدُّ قَذْفٍ أَوْ قِصَاصٌ وَكَانَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ السُّلْطَانِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ، لِلضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ يُحْتَمَلُ ضَيَاعُهُ إذَا لَمْ يَسْتَوْفِهِ صَاحِبُهُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ، وَنَقَلَ الشِّرْوَانِيُّ عَنْ الْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ - أَيْ بِالْقَوَدِ - بِحَيْثُ لَا يَرَى، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْهُ، وَلَا سِيَّمَا إذَا عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يَجُوزُ لِلْمَشْتُومِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الشَّاتِمِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ، وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ، لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُقَابَلُ بِمِثْلِهَا، وَإِلَى مِثْلِ هَذَا ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} . حَيْثُ قَالَ: الِاعْتِدَاءُ هُوَ التَّجَاوُزُ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أَيْ: يَتَجَاوَزُ، وَمَنْ ظَلَمَك فَخُذْ حَقَّك مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِك، وَمَنْ شَتَمَك فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ قَوْلِهِ، وَلَا تَتَعَدَّ إلَى أَبَوَيْهِ، وَلَا إلَى ابْنِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَلَيْسَ لَك أَنْ تَكْذِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَبَ عَلَيْك، فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُقَابَلُ بِالْمَعْصِيَةِ. وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: لَا يَجُوزُ لِمَنْ ضُرِبَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَنْ يَضْرِبَ مَنْ ضَرَبَهُ، وَلَوْ فَعَلَ يُعَزَّرُ الِاثْنَانِ، وَيَبْدَأُ بِإِقَامَةِ التَّعْزِيرِ عَلَى الْبَادِئِ، لِأَنَّهُ أَظْلَمُ، وَالْوُجُوبُ عَلَيْهِ أَسْبَقُ.

ثَالِثًا - مَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الظَّفَرِ بِهِ مِنْ الْحُقُوقِ: 10 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الظَّفَرِ بِالْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ فِي الذِّمَّةِ: فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ. فَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ تَحْصِيلَ الْحُقُوقِ بِغَيْرِ دَعْوَى وَلَا حُكْمٍ فِي حَالَاتٍ مُعَيَّنَةٍ وَبِشُرُوطٍ خَاصَّةٍ. أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ اشْتِرَاطُ إذْنِ الْحَاكِمِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُرِيدُ صَاحِبُ الْحَقِّ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَدِينِ، وَلَهُمْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ اسْتِثْنَاءَاتٌ. وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ: مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: 11 - ذَهَبَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ إلَى أَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى آخَرَ، وَلَمْ يُوفِهِ إيَّاهُ بِرِضَاهُ، فَلَهُ أَنْ يَاخُذَ مِقْدَارَ دَيْنِهِ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَالُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ، وَأَنْ يَكُونَ بِنَفْسِ صِفَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يَاخُذَ مِنْ دَرَاهِمِ غَرِيمِهِ بِقَدْرِ حَقِّهِ إنْ كَانَ حَقُّهُ دَنَانِيرَ، وَلَا أَنْ يَاخُذَ عَيْنًا مِنْ أَعْيَانِ غَرِيمِهِ، وَلَا أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَنْفَعَةً مِنْ مَنَافِعِهِ مُقَابِلَ تِلْكَ الدَّنَانِيرِ الَّتِي لَهُ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَاخُذَ الصَّحِيحَ مُقَابِلَ الْمُنْكَسِرِ، بَلْ يَاخُذُ مِثْلَ مَالِهِ مِنْ حَيْثُ الصِّفَةُ أَيْضًا. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ رَأَى جَوَازَ أَخْذِ الدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ اسْتِحْسَانًا. وَظَاهِرُ قَوْلِهِمْ أَنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَاخُذَ جِنْسَ حَقِّهِ مِنْ الْمَدِينِ مُقِرًّا كَانَ أَوْ مُنْكِرًا، وَسَوَاءٌ أَكَانَ لِلدَّائِنِ بَيِّنَةٌ أَمْ لَمْ يَكُنْ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَيْهِ لِيَاخُذَهُ بِنَحْوِ كَسْرِ الْبَابِ وَثَقْبِ الْجِدَارِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا تَكُونَ هُنَاكَ وَسِيلَةٌ غَيْرُ ذَلِكَ، وَأَنْ لَا يُمْكِنَ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِوَاسِطَةِ الْقَضَاءِ. قَالَ ابْنُ نُجَيْمٍ: إذَا ظَفِرَ بِمَالِ مَدْيُونِ مَدْيُونِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت