فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 537

نَفْعَهُ: فَإِنْ حَسُنَ قَصْدُ الْمُفْتِي فِي حِيلَةٍ جَائِزَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا مَفْسَدَةَ لِتَخْلِيصِ الْمُسْتَفْتِي بِهَا مِنْ حَرَجٍ جَازَ ذَلِكَ، بَلْ اُسْتُحِبَّ، وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَيُّوبَ عليه السلام إلَى التَّخَلُّصِ مِنْ الْحِنْثِ: بِأَنْ يَاخُذَ بِيَدِهِ ضِغْثًا فَيَضْرِبَ بِهِ الْمَرْأَةَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، قَالَ: فَأَحْسَنُ الْمَخَارِجِ مَا خَلَّصَ مِنْ الْمَآثِمِ، وَأَقْبَحُهَا مَا أَوْقَعَ فِي الْمَحَارِمِ.

إحَالَةُ الْمُفْتِي عَلَى غَيْرِهِ:

27 -لِلْمُفْتِي أَنْ يُحِيلَ الْمُسْتَفْتِيَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُفْتِينَ، إمَّا بِقَصْدِ أَنْ يَبْرَأَ مِنْ عُهْدَةِ الْفَتْوَى، وَإِمَّا لِكَوْنِ الْآخَرِ أَعْلَمَ، وَإِمَّا لِظَرْفٍ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ، وَلَا تَجُوزُ لَهُ الْإِحَالَةُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ أَهْلًا لِلْفُتْيَا، سَوَاءٌ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي الرَّايِ أَوْ يُخَالِفُهُ، فَإِنْ أَحَالَ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا فَإِنَّهُ يَكُونُ مُعِينًا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، قَالَ أَبُو دَاوُد: قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَدُلُّهُ عَلَى إنْسَانٍ؟ قَالَ: إذَا كَانَ مُتَّبِعًا وَيُفْتِي بِالسُّنَّةِ، قُلْت: إنَّهُ يُرِيدُ الِاتِّبَاعَ وَلَيْسَ كُلُّ قَوْلِهِ يُصِيبُ، قَالَ: وَمَنْ يُصِيبُ فِي كُلِّ شَيْءٍ؟. لَكِنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَنْ يُخَالِفُهُ فِي الْقَوْلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً، فَيَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ لَيْسَ أَوْلَى مِنْ اجْتِهَادِ غَيْرِهِ. أَمَّا إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ صَحِيحٌ أَوْ إجْمَاعٌ، أَوْ كَانَ الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَتَسَاهَلُ فِي الْفَتْوَى فَلَا تَجُوزُ الْإِحَالَةُ.

تَشْدِيدُ الْمُفْتِي وَتَسَاهُلُهُ:

28 -الشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ شَرِيعَةٌ تَتَمَيَّزُ بِالْوَسَطِيَّةِ وَالْيُسْرِ، وَلِذَا فَاَلَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي - وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى - أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ: الْمُفْتِي الْبَالِغُ ذُرْوَةَ الدَّرَجَةِ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الْوَسَطِ الْمَعْهُودِ فِيمَا يَلِيقُ بِالْجُمْهُورِ، فَلَا يَذْهَبُ بِهِمْ مَذْهَبَ الشِّدَّةِ، وَلَا يَمِيلُ بِهِمْ إلَى طَرَفِ الِانْحِلَالِ، وَهَذَا هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، فَلَا إفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ، وَمَا خَرَجَ عَنْ الْوَسَطِ مَذْمُومٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم - عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رضي الله عنه التَّبَتُّلَ {وَقَالَ لِمُعَاذٍ رضي الله عنه لَمَّا أَطَالَ بِالنَّاسِ الصَّلَاةَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ؟} ، وَنَهَاهُمْ عَنْ الْوِصَالِ، وَلِأَنَّهُ إذَا ذَهَبَ بِالْمُسْتَفْتِي مَذْهَبَ الْعَنَتِ وَالْحَرَجِ بَغَّضَ إلَيْهِ الدِّينَ، وَإِذَا ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الِانْحِلَالِ كَانَ مَظِنَّةً لِلْمَشْيِ مَعَ الْهَوَى وَالشَّهْوَةِ. وَجَاءَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ: يَحْرُمُ تَسَاهُلُ مُفْتٍ فِي الْإِفْتَاءِ، لِئَلَّا يَقُولَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَيَحْرُمُ تَقْلِيدُ مُتَسَاهِلٍ فِي الْإِفْتَاءِ لِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهِ، وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ. وَبَيَّنَ السَّمْعَانِيُّ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّ التَّسَاهُلَ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ: تَتَبُّعُ الرُّخَصِ وَالشُّبَهِ وَالْحِيَلِ الْمَكْرُوهَةِ وَالْمُحَرَّمَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الْأَدِلَّةِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ وَيَاخُذَ بِمَبَادِئِ النَّظَرِ وَأَوَائِلِ الْفِكْرِ، فَهَذَا مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ الِاجْتِهَادِ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ كَذَلِكَ مَا لَمْ تَتَقَدَّمْ مَعْرِفَتُهُ بِالْمَسْئُولِ عَنْهُ. لَكِنْ أَجَازَ بَعْضُهُمْ لِلْمُفْتِي أَنْ يَتَشَدَّدَ فِي الْفَتْوَى عَلَى سَبِيلِ السِّيَاسَةِ لِمَنْ هُوَ مُقْدِمٌ عَلَى الْمَعَاصِي مُتَسَاهِلٌ فِيهَا، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنْ التَّيْسِيرِ وَالتَّسْهِيلِ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْأَدِلَّةُ لِمَنْ هُوَ مُشَدِّدٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لِيَكُونَ مَآلُ الْفَتْوَى أَنْ يَعُودَ الْمُسْتَفْتِي إلَى الطَّرِيقِ الْوَسَطِ.

آدَابُ الْمُفْتِي:

29 -أ - يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي أَنْ يُحْسِنَ زِيَّهُ، مَعَ التَّقَيُّدِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَيُرَاعِيَ الطَّهَارَةَ وَالنَّظَافَةَ، وَاجْتِنَابَ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ وَالثِّيَابِ الَّتِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ شِعَارَاتِ الْكُفَّارِ، وَلَوْ لَبِسَ مِنْ الثِّيَابِ الْعَالِيَةِ لَكَانَ أَدْعَى لِقَبُولِ قَوْلِهِ، لقوله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت