بِالِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ، أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا وَالنَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ مُعَظِّمِينَ لَهُ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ مِنْ الِاسْتِفْتَاءِ إنْ ظَنَّ عَدَمَ أَحَدِهِمَا أَيْ عَدَمَ الِاجْتِهَادِ أَوْ الْعَدَالَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَسْأَلُ الْمُسْتَفْتِي مَنْ عَرَفَ عِلْمَهُ وَعَدَالَتَهُ، فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْعِلْمَ بَحَثَ عَنْهُ بِسُؤَالِ النَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ الْعَدَالَةَ فَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِيهِ احْتِمَالَيْنِ، أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ، وَأَشْبَهُهُمَا: الِاكْتِفَاءُ، لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ الْعُلَمَاءِ الْعَدَالَةُ، بِخِلَافِ الْبَحْثِ عَنْ الْعِلْمِ فَلَيْسَ الْغَالِبُ مِنْ النَّاسِ الْعِلْمَ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي قَطْعًا الْبَحْثُ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ أَهْلِيَّةَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ لِلْإِفْتَاءِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِأَهْلِيَّتِهِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ انْتَسَبَ إلَى الْعِلْمِ، وَانْتَصَبَ لِلتَّدْرِيسِ وَالْإِقْرَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنَاصِبِ الْعُلَمَاءِ بِمُجَرَّدِ انْتِسَابِهِ وَانْتِصَابِهِ لِذَلِكَ، وَيَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ اسْتَفَاضَ كَوْنُهُ أَهْلًا لِلْفَتْوَى، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ: إنَّمَا يُعْتَمَدُ قَوْلُهُ: أَنَا أَهْلٌ لِلْفَتْوَى، لَا شُهْرَتُهُ بِذَلِكَ، وَلَا يُكْتَفَى بِالِاسْتِفَاضَةِ وَلَا بِالتَّوَاتُرِ، وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ.
44 -إنْ وَجَدَ الْمُسْتَفْتِي أَكْثَرَ مِنْ عَالِمٍ، وَكُلُّهُمْ عَدْلٌ وَأَهْلٌ لِلْفُتْيَا، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَهُمْ يَسْأَلُ مِنْهُمْ مَنْ يَشَاءُ وَيَعْمَلُ بِقَوْلِهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي أَعْيَانِهِمْ لِيَعْلَمَ أَفْضَلَهُمْ عِلْمًا فَيَسْأَلَهُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ الْأَفْضَلَ إنْ شَاءَ، وَإِنْ شَاءَ سَأَلَ الْمَفْضُولَ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، وَبِأَنَّ الْأَوَّلِينَ كَانُوا يَسْأَلُونَ الصَّحَابَةَ مَعَ وُجُودِ أَفَاضِلِهِمْ وَأَكَابِرِهِمْ وَتَمَكُّنِهِمْ مِنْ سُؤَالِهِمْ. وَقَالَ الْقَفَّالُ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْإسْفَرايِينِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: لَيْسَ لَهُ إلَّا سُؤَالُ الْأَعْلَمِ وَالْأَخْذُ بِقَوْلِهِ.
مَا يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِيَ إنْ اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِ أَجْوِبَةُ الْمُفْتِينَ:
45 -إنْ سَأَلَ الْمُسْتَفْتِي أَكْثَرَ مِنْ مُفْتٍ، فَاتَّفَقَتْ أَجْوِبَتُهُمْ، فَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ إنْ اطْمَأَنَّ إلَى فَتْوَاهُمْ. وَإِنْ اخْتَلَفُوا، فَلِلْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ طَرِيقَانِ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ، وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ، وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالسَّمْعَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ لَيْسَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ يَاخُذُ بِمَا شَاءَ وَيَتْرُكُ مَا شَاءَ، بَلْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِنَوْعٍ مِنْ التَّرْجِيحِ، ثُمَّ ذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ مِنْهُمْ إلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ يَكُونُ بِاعْتِقَادِ الْمُسْتَفْتِي فِي الَّذِينَ أَفْتَوْهُ أَيُّهُمْ أَعْلَمُ، فَيَاخُذُ بِقَوْلِهِ، وَيَتْرُكُ قَوْلَ مَنْ عَدَاهُ. قَالَ الْغَزَالِيُّ: التَّرْجِيحُ بِالْأَعْلَمِيَّةِ وَاجِبٌ، لِأَنَّ الْخَطَأَ مُمْكِنٌ بِالْغَفْلَةِ عَنْ دَلِيلٍ قَاطِعٍ، وَبِالْحُكْمِ قَبْلَ تَمَامِ الِاجْتِهَادِ وَاسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ، وَالْغَلَطُ أَبْعَدُ عَنْ الْأَعْلَمِ لَا مَحَالَةَ، كَالْمَرِيضِ إذَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ طَبِيبَانِ، فَإِنْ خَالَفَ أَفْضَلَهُمَا عُدَّ مُقَصِّرًا، وَيُعْلَمُ أَفْضَلُ الطَّبِيبَيْنِ أَوْ الْعَالِمَيْنِ بِتَوَاتُرِ الْأَخْبَارِ، وَبِإِذْعَانِ الْمَفْضُولِ لَهُ، وَبِالتَّسَامُعِ وَالْقَرَائِنِ دُونَ الْبَحْثِ عَنْ نَفْسِ الْعِلْمِ، وَالْعَامِّيُّ أَهْلٌ لِذَلِكَ، فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَالِفَ الْأَفْضَلَ بِالتَّشَهِّي. ا هـ. وَقَالَ الشَّاطِبِيُّ: لَا يَتَخَيَّرُ، لِأَنَّ فِي التَّخْيِيرِ إسْقَاطَ التَّكْلِيفِ، وَمَتَى خَيَّرْنَا الْمُقَلِّدِينَ فِي اتِّبَاعِ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَرْجِعٌ إلَّا اتِّبَاعَ الشَّهَوَاتِ وَالْهَوَى فِي الِاخْتِيَارِ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الشَّرِيعَةِ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ، هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ ا هـ، وَقِيَاسًا عَلَى الْمُفْتِي: فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَاخُذَ بِأَيِّ الرَّايَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ دُونَ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: إنْ تَسَاوَى الْمُفْتِيَانِ فِي اعْتِقَادِ الْمُسْتَفْتِي، وَعَجَزَ عَنْ التَّرْجِيحِ تَخَيَّرَ، لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ وَصَاحِبُ الْمَحْصُولِ: عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ بِالْأَمَارَاتِ، فَإِنَّ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ لَا يَسْتَوِيَانِ فِي الْفِطَرِ السَّلِيمَةِ. وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّ التَّرْجِيحَ يَكُونُ بِالْأَخْذِ بِالْأَشَدِّ احْتِيَاطًا، وَقَالَ الْكَعْبِيُّ: يَاخُذُ بِالْأَشَدِّ فِيمَا كَانَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ