فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 537

أ - إذَا كَانَ الْمُسْتَفْتِي بَطِيءَ الْفَهْمِ، فَعَلَى الْمُفْتِي التَّرَفُّقُ بِهِ وَالصَّبْرُ عَلَى تَفَهُّمِ سُؤَالِهِ وَتَفْهِيمِ جَوَابِهِ.

ب - إذَا كَانَ بِحَاجَةٍ إلَى تَفْهِيمِهِ أُمُورًا شَرْعِيَّةً لَمْ يَتَطَرَّقْ إلَيْهَا فِي سُؤَالِهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُفْتِي بَيَانُهَا لَهُ زِيَادَةً عَلَى جَوَابِ سُؤَالِهِ، نُصْحًا وَإِرْشَادًا، وَقَدْ أَخَذَ الْعُلَمَاءُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَّ {بَعْضَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم سَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ، فَقَالَ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ} وَلِلْمُفْتِي أَنْ يَعْدِلَ عَنْ جَوَابِ السُّؤَالِ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ، وَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} فَقَدْ سَأَلَ النَّاسُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْمُنْفَقِ فَأَجَابَهُمْ بِذِكْرِ الْمَصْرِفِ إذْ هُوَ أَهَمُّ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُ.

ج - أَنْ يَسْأَلَهُ الْمُسْتَفْتِي عَمَّا هُوَ بِحَاجَةٍ إلَيْهِ فَيُفْتِيهِ بِالْمَنْعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَا هُوَ عِوَضٌ مِنْهُ، كَالطَّبِيبِ الْحَاذِقِ إذَا مَنَعَ الْمَرِيضَ مِنْ أَغْذِيَةٍ تَضُرُّهُ يَدُلُّهُ عَلَى أَغْذِيَةٍ تَنْفَعُهُ.

د - أَنْ يُسْأَلَ عَمَّا لَمْ يَقَعْ، وَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ اجْتِهَادِيَّةً، فَيَتْرُكُ الْجَوَابَ إشْعَارًا لِلْمُسْتَفْتِي بِأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ السُّؤَالُ عَمَّا يَعْنِيهِ مِمَّا لَهُ فِيهِ نَفْعٌ وَوَرَاءَهُ عَمَلٌ، لِحَدِيثِ: {إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ} وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِعِكْرِمَةَ: مَنْ سَأَلَك عَمَّا لَا يَعْنِيهِ فَلَا تُفْتِهِ.

هـ - أَنْ يَكُونَ عَقْلُ السَّائِلِ لَا يَحْتَمِلُ الْجَوَابَ، فَيَتْرُكُ إجَابَتَهُ وُجُوبًا، لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه:"حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ:"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثِ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً.

و - تَرْكُ الْجَوَابِ إذَا خَافَ الْمُفْتِي غَائِلَةَ الْفُتْيَا أَيْ هَلَاكًا أَوْ فَسَادًا أَوْ فِتْنَةً يُدَبِّرُهَا الْمُسْتَفْتِي أَوْ غَيْرُهُ. وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْبَيَانِ وَتَحْرِيمُ الْكِتْمَانِ إنْ كَانَ الْحُكْمُ جَلِيًّا فَلَا يَتْرُكُ الْمُفْتِي بَيَانَهُ لِرَغْبَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} . لَكِنْ إنْ خَافَ الْغَائِلَةَ فَلَهُ تَرْكُ الْجَوَابِ وَكَذَا لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْفُتْيَا إنْ خَافَ أَنْ يَسْتَغِلَّهَا الظَّلَمَةُ أَوْ أَهْلُ الْفُجُورِ لِمَآرِبِهِمْ.

صِيغَةُ الْفَتْوَى:

31 -يَنْبَغِي لِسَلَامَةِ الْفُتْيَا وَصِدْقِهَا وَصِحَّةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا أَنْ يُرَاعِيَ الْمُفْتِي أُمُورًا مِنْهَا:

أ - تَحْرِيرُ أَلْفَاظِ الْفُتْيَا، لِئَلَّا تُفْهَمَ عَلَى وَجْهٍ بَاطِلٍ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْرُمُ إطْلَاقُ الْفُتْيَا فِي اسْمٍ مُشْتَرَكٍ إجْمَاعًا، فَمَنْ سُئِلَ: أَيُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ فِي رَمَضَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ؟ لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ: الْفَجْرُ الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي، وَمِثْلُهُ مَنْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ رِطْلِ تَمْرٍ بِرِطْلِ تَمْرٍ هَلْ يَصِحُّ؟ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُطْلِقَ الْجَوَابَ بِالْإِجَازَةِ أَوْ الْمَنْعِ، بَلْ يَقُولُ: إنْ تَسَاوَيَا كَيْلًا جَازَ وَإِلَّا فَلَا، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَى احْتِمَالٍ بَعِيدٍ، كَمَنْ سُئِلَ عَنْ مِيرَاثِ بِنْتٍ وَعَمٍّ؟ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: لَهَا النِّصْفُ، وَلَهُ الْبَاقِي، وَلَا يَلْزَمُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهَا إنْ كَانَتْ قَاتِلَةً لِأَبِيهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَكَذَا سَائِرُ مَوَانِعِ الْإِرْثِ. عَلَى أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي إنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ: أَنْ يَسْتَفْصِلَ السَّائِلَ لِيَصِلَ إلَى تَحْدِيدِ الْوَاقِعَةِ تَحْدِيدًا تَامًّا، فَيَكُونَ جَوَابُهُ عَنْ أَمْرٍ مُحَدَّدٍ، وَهَذَا أَوْلَى وَأَسْلَمُ، وَإِنْ عَلِمَ أَيْ الْأَقْسَامِ هُوَ الْوَاقِعُ فَلَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى جَوَابِ ذَلِكَ الْقِسْمِ، ثُمَّ يَقُولَ: هَذَا إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَا، وَلَهُ أَنْ يُفَصِّلَ الْأَقْسَامَ فِي جَوَابِهِ وَيَذْكُرَ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ، وَلَكِنْ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت