بِاخْتِلَافِ وُجْدَانِ رِيحِهَا بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَمَرَاتِبِهِمْ. وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: {أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدَةً لَهَا ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَقَدْ أَخْفَرَ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا} فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي قَتْلِ مُعَاهَدٍ وَهُوَ الْكَافِرُ الْمُؤَمَّنُ إلَى مُدَّةٍ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَمَا ظَنُّك بِقَاتِلِ الْمُسْلِمِ؟. تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ مَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ كَمَا عَلِمْت، وَمِنْ ثَمَّ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وَالصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ أَكْبَرَهَا بَعْدَ الشِّرْكِ الْقَتْلُ. وَقِيلَ الزِّنَا. وَمَا ذَكَرْته مِنْ عَدِّ شِبْهِ الْعَمْدِ هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْهَرَوِيُّ وَشُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ، وَعِبَارَةُ الْأَوَّلِ وَتَبِعَهُ الثَّانِي: وَحَدُّ الْكَبِيرَةِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا مَا يُوجِبُ حَدًّا أَوْ قَتْلًا أَوْ قُدْرَةً مِنْ الْفِعْلِ وَالْعُقُوبَةُ سَاقِطَةٌ لِلشُّبْهَةِ وَهُوَ عَامِدٌ. ثُمَّ قَالَ الْجَلَالُ الْبُلْقِينِيُّ: قَوْلُهُ أَوْ قَتْلًا يَعْنِي قَتْلَ الْقِصَاصِ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى حَدًّا إلَّا قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فَإِنَّ فِي الْمُغَلَّبِ فِيهِ خِلَافًا، هَلْ هُوَ مَعْنَى الْقِصَاصِ أَوْ مَعْنَى الْحَدِّ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِحَسْبِ مَا يُقَوِّي النَّظَرَ فِيهِ، وَقَوْلُهُ أَوْ قُدْرَةً إلَخْ يُشِيرُ بِهِ إلَى أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ يَدْخُلُ الْفِعْلُ فِيهِ بِحَسَبِ اسْمِ الْكَبِيرَةِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْفِعْلِ بِخِلَافِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ بِاخْتِيَارِهِ. وَكَذَلِكَ مَا سَقَطَ الْقِصَاصُ فِيهِ لِلشُّبْهَةِ كَبِيرَةٌ، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقِصَاصُ لِمَانِعٍ. وَقَدْ قَالَ الْهَرَوِيُّ قَبْلَ ذَلِكَ: يُشْتَرَطُ فِي الْعَدْلِ أَنْ لَا يَقْتَرِفَ الْكَبَائِرَ الْمُوجِبَاتِ لِلْحُدُودِ مِثْلَ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَقَطْعِ الطَّرِيقِ أَوْ قُدْرَةً مِنْ الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْحَدُّ فِيهَا لِشُبْهَةٍ أَوْ عَدَمِ حِرْزٍ وَالْقَتْلَ عَمْدًا مِنْ غَيْرِ حَقٍّ أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ. وَقَدْ أَشَارَ الرَّافِعِيُّ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: يُوجِبُ جِنْسُهَا حَدًّا مِنْ قَتْلٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: {إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ} : هَذَا إنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَقَاتَلَا بِتَاوِيلٍ بَلْ بِعَدَاوَةٍ أَوْ عُصْبَةٍ أَوْ طَلَبِ دُنْيَا أَوْ نَحْوِهَا؛ فَأَمَّا مَنْ قَاتَلَ أَهْلَ الْبَغْيِ بِالصِّفَةِ الَّتِي يَجِبُ قِتَالُهُمْ عَلَيْهَا فَقَتَلَ أَوْ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَحَرِيمِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْوَعِيدِ؛ لِأَنَّهُ مَامُورٌ بِالْقِتَالِ لِلذَّبِّ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ قَاصِدٍ بِهِ قَتْلَ صَاحِبِهِ، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ: {إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ} . وَمَنْ قَاتَلَ بَاغِيًا أَوْ قَاطِعَ طَرِيقٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لَا يَحْرِصُ عَلَى قَتْلِهِ إنَّمَا يَدْفَعُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَإِنْ انْتَهَى صَاحِبُهُ كَفَّ عَنْهُ وَلَمْ يَتْبَعْهُ، فَالْحَدِيثُ لَمْ يَرِدْ فِي أَهْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا يَدْخُلُونَ فِيهِ بِخِلَافِ مَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَإِنَّهُمْ الْمُرَادُونَ مِنْهُ.
(بَابٌ فِي) بَيَانِ (أَحْكَامِ الدِّمَاءِ) وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ الْجِرَاحَاتِ مِنْ قِصَاصٍ وَدِيَةٍ (وَ) فِي بَيَانِ مُوجِبَاتِ (الْحُدُودِ) كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ وَالسَّرِقَةِ وَالْحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا مَا وُضِعَ لِمَنْعِ الْجَانِي مِنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ فِعْلِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ، وَفِي مَعْنَى الْحُدُودِ التَّعَاذِيرُ وَأَحَدُهَا تَعْذِيرٌ وَهُوَ اسْمٌ لِنَوْعٍ مِنْ الْعَذَابِ مَوْكُولٌ قَدْرُهُ لِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ، بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَإِنَّ تَعْدَادَهَا مَحْدُودٌ مِنْ الشَّارِعِ، وَحِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا الزَّجْرُ عَنْ إتْلَافِ مَا حَكَى الْأُصُولِيُّونَ إجْمَاعَ الْمِلَلِ عَلَى وُجُوبِ حِفْظِهِ مِنْ الْعُقُولِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَدْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَنْسَابِ، فَإِنَّ فِي الْقِصَاصِ حِفْظًا لِلدِّمَاءِ، وَفِي الْقَطْعِ لِلسَّرِقَةِ الْحِفْظَ لِلْأَمْوَالِ، وَفِي الْحَدِّ لِلزِّنَا حِفْظَ الْأَنْسَابِ، وَفِي الْحَدِّ لِلشُّرْبِ حِفْظَ الْعُقُولِ، وَفِي الْحَدِّ لِلْقَذْفِ حِفْظَ الْأَعْرَاضِ، وَفِي الْقَتْلِ لِلرِّدَّةِ حِفْظَ الدِّينِ، وَقِيلَ: إنَّ الْحُدُودَ جَوَائِزُ أَيْ كَفَّارَاتٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَبَدَأَ الْمُصَنِّفُ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِقَتْلِ النَّفْسِ لِأَنَّهُ أَشَدُّ الذُّنُوبِ وَأَعْظَمُهَا بَعْدَ الْكُفْرِ لِلْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَإِجْمَاعِ سَائِرِ الْمِلَلِ عَلَى حُرْمَةِ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ