فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 537

الْتَحَمَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمَا، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ عَنْ الضَّبْطِ فَلَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا لَدَيْهِ، دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ. ج - إذَا ظَنَّ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنَّ الصَّائِلَ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَلَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ دُونَ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا إنْ خَافَ أَنْ يَبْدُرَهُ بِالْقَتْلِ إنْ لَمْ يَسْبِقْ هُوَ بِهِ فَلَهُ ضَرْبُهُ بِمَا يَقْتُلُهُ، أَوْ يَقْطَعُ طَرَفَهُ. وَيُصَدَّقُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ إمْكَانِ التَّخَلُّصِ بِدُونِ مَا دَفَعَ بِهِ، لِعُسْرِ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. د - إذَا كَانَ الصَّائِلُ مُهْدَرَ الدَّمِ - كَمُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَزَانٍ مُحْصَنٍ - فَلَا تَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي حَقِّهِ بَلْ لَهُ الْعُدُولُ إلَى قَتْلِهِ، لِعَدَمِ حُرْمَتِهِ.

الْهَرَبُ مِنْ الصَّائِلِ:

8 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْهَرَبِ مِنْ الصَّائِلِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إلَى أَنَّهُ إنْ أَمْكَنَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَلْتَجِئَ إلَى حِصْنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَوْ حَاكِمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْقِتَالُ، لِأَنَّهُ مَامُورٌ بِتَخْلِيصِ نَفْسِهِ بِالْأَهْوَنِ فَالْأَهْوَنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ إلَى الْأَشَدِّ مَعَ إمْكَانِ الْأَسْهَلِ وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الدِّفَاعُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ إضْرَارِ غَيْرِهِ فَلَزِمَهُ ذَلِكَ. وَاشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ لِوُجُوبِ الْهَرَبِ أَنْ يَكُونَ بِلَا مَشَقَّةٍ، فَإِنْ كَانَ بِمَشَقَّةٍ فَلَا يَجِبُ. وَزَادَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الصَّائِلُ مَعْصُومَ الدَّمِ، فَلَوْ صَالَ عَلَيْهِ مُرْتَدٌّ أَوْ حَرْبِيٌّ لَمْ يَجِبْ الْهَرَبُ وَنَحْوُهُ، بَلْ يَحْرُم عَلَيْهِ. فَإِنْ لَمْ يَهْرُبْ - حَيْثُ وَجَبَ الْهَرَبُ - فَقَاتَلَ وَقَتَلَ الصَّائِلَ، لَزِمَهُ الْقِصَاصُ، فِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْأَوْجَهُ، وَلَزِمَتْهُ الدِّيَةُ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَهُمْ أَيْضًا. وَأَمَّا فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الْهَرَبِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ إقَامَتَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ جَائِزَةٌ، فَلَا يُكَلَّفُ الِانْصِرَافُ. وَفِي قَوْلٍ ثَالِثٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمَصُولَ عَلَيْهِ إنْ تَيَقَّنَ النَّجَاةَ بِالْهَرَبِ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ.

دَفْعُ الصَّائِلِ عَنْ الْعِرْضِ:

10 -أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ دَفْعُ الصَّائِلِ عَلَى بُضْعِ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ أَهْلِهِ، لِأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى إبَاحَتِهِ، وَمِثْلُ الزِّنَا بِالْبُضْعِ فِي الْحَكَمِ مُقَدِّمَاتُهُ فِي وُجُوبِ الدَّفْعِ حَتَّى لَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِ الصَّائِلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. . . بَلْ إنْ قُتِلَ الدَّافِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَهُوَ شَهِيدٌ، لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ حَقِّهِ وَحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى - وَهُوَ مَنْعُ الْفَاحِشَةِ - وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا} . إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ شَرَطُوا لِوُجُوبِ الدِّفَاعِ عَنْ عِرْضِهِ وَعِرْضِ غَيْرِهِ: أَنْ لَا يَخَافَ الدَّافِعُ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ، أَوْ عَلَى مَنْفَعَةٍ مِنْ مَنَافِعِ أَعْضَائِهِ. أَمَّا الْمَرْأَةُ الْمَصُولُ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ الزِّنَا بِهَا، فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا إنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ، لِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْهَا مُحَرَّمٌ، وَفِي تَرْكِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ، فَإِذَا قَتَلَتْ الصَّائِلَ - وَلَمْ يَكُنْ يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ - فَلَا تَضْمَنُهُ بِقِصَاصٍ وَلَا دِيَةٍ، لِمَا رَوَى أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَأَرَادَ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا، فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهُ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه:"وَاَللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ قُتِلَ دُونَ عِرْضِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ} . وَفِي الْمُغْنِي: لَوْ رَأَى رَجُلًا يَزْنِي بِامْرَأَتِهِ - أَوْ بِامْرَأَةِ غَيْرِهِ - وَهُوَ مُحْصَنٌ فَصَاحَ بِهِ، وَلَمْ يَهْرُبْ وَلَمْ يَمْتَنِعْ عَنْ الزِّنَا حَلَّ لَهُ قَتْلُهُ، فَإِنْ قَتَلَهُ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ، لِمَا رَوَى أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - بَيْنَمَا هُوَ يَتَغَدَّى يَوْمًا إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَعْدُو وَمَعَهُ سَيْفٌ مُجَرَّدٌ مُلَطَّخٌ بِالدَّمِ، فَجَاءَ حَتَّى قَعَدَ مَعَ عُمَرَ، فَجَعَلَ يَاكُلُ وَأَقْبَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ النَّاسِ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: إنَّ هَذَا قَتَلَ صَاحِبَنَا مَعَ امْرَأَتِهِ فَقَالَ عُمَرُ: مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: إنَّهُ ضَرَبَ فَخِذَيْ امْرَأَتَهُ بِالسَّيْفِ، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَحَدٌ فَقَدْ قَتَلَهُ فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ: مَا يَقُولُ؟ قَالُوا:"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت