فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 537

ثم يفتح لهم - بعد هذا المشهد المفزع - باب النجاة. . باب التوبة لمن أراد النجاة:

إلا الذين تابوا وأصلحوا، واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله. فأولئك مع المؤمنين. وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيمًا. .

وفي مواضع أخرى كان يكتفي بأن يقول: إلا الذين تابوا وأصلحوا. . فالتوبة والإصلاح يتضمنان الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله. ولكنه هنا ينص على الاعتصام بالله، وإخلاص الدين لله. لأنه يواجه نفوسا تذبذبت، ونافقت، وتولت غير الله. فناسب أن ينص عند ذكر التوبة والإصلاح، على التجرد لله، والاعتصام به وحده؛ وخلاص هذه النفوس من تلك المشاعر المذبذبة، وتلك الأخلاق المخلخلة. . ليكون في الاعتصام بالله وحده قوة وتماسك، وفي الإخلاص لله وحده خلوص وتجرد. .

بذلك تخف تلك الثقلة التي تهبط بالمنافقين في الحياة الدنيا إلى اللصوق بالأرض، وتهبط بهم في الحياة الآخرة إلى الدرك الأسفل من النار.

وبذلك يرتفع التائبون منهم إلى مصاف المؤمنين؛ المعتزين بعزة الله وحده. المستعلين بالإيمان. المنطلقين من ثقلة الأرض بقوة الإيمان. . وجزاء المؤمنين - ومن معهم - معروف: وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيمًا.

وبهذه اللمسات المنوعة، يكشف حقيقة المنافقين في المجتمع المسلم، ويقلل من شأنهم؛ وينبه المؤمنين إلى مزالق النفاق، ويحذرهم مصيره. ويفتح باب التوبة للمنافقين؛ ليحاول من فيه منهم خير، أن يخلص نفسه، وينضم إلى الصف المسلم في صدق وفي حرارة وفي إخلاص

-كما أنهم لا يحكمون بما أنزل الله يقول الله تعالى في حقهم في سورة المائدة {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ 44} وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ {45} وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ {46} وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {47}

وَإِذَا اقْتَتَلَ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ فَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ، وَوَجَدَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَوْمًا جَرْحَى، فَلَا بَاسَ بِأَنْ يُجْهِزُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَا يَعِيشُونَ مَعَ تِلْكَ الْجِرَاحَاتِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ مُقَاتِلَةٌ وَإِنَّمَا أَعْجَزَهُمْ إثْخَانُ الْجِرَاحَاتِ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ، فَلَا

بَاسَ بِقَتْلِهِمْ كَالْمَاسُورِينَ، الْمَرْبُوطِينَ فِي أَيْدِينَا، وَإِنْ شَاءُوا تَرَكُوهُمْ حَتَّى يَذُوقُوا الْمَوْتَ، كُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. لِأَنَّ فِي كُلِّ جَانِبٍ لِلْمُسْلِمِينَ نَوْعَ شِفَاءِ الصُّدُورِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ حَدِيثُ {مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، فَإِنَّهُ بَارَزَ مَرْحَبًا يَوْمَ خَيْبَرَ فَضَرَبَهُ فَقَطَعَ رِجْلَيْهِ، فَقَالَ مَرْحَبٌ. أَجْهِزْ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مِثْلَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ عَلِيٌّ رضي الله تعالى عنه، فَأَجْهَزَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، سَلَبَهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ} ، وَلَوْ كَانَ فِي حَيَاةِ مَرْحَبٍ طَمَعٌ لَمَا قَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: لَا، حَتَّى تَذُوقَ مِنْ الْمَوْتِ مِثْلَ مَا ذَاقَ أَخِي مَحْمُودٌ، وَمَا أَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، سَلَبَهُ دُونَ عَلِيٍّ، رضي الله تعالى عنه، وَقَدْ أَجْهَزَ عَلِيٌّ رضي الله تعالى عنه وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، ذَلِكَ فَامْتَنَعَ مُحَمَّدٌ مِنْ الْإِجْهَازِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، أَيْضًا، فَعَرَفْنَا أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ وَاسِعٌ. تَوْضِيحُهُ أَنَّهُ لَا بَاسَ بِأَسْرِهِ وَقِسْمَتِهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ يَقْسِمُ مَا لَمْ يَمُتْ، فَعَرَفْنَا أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَسِيرِ، وَلِلْإِمَامِ رَايٌ فِي قَتْلِ الْأَسِيرِ وَتَرْكِهِ فَهَذَا مِثْلُهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت