فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 537

عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوهُ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْعِلْمِ وَالْمُسَارَعَةَ إلَيْهِ قُرْبَةٌ، وَالْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ. وَقَدْ يُخْتَلَفُ فِي الْإِيثَارِ بِالشَّيْءِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ قُرْبَةٌ أَوْ لَا، كَمَا لَوْ وَجَدَ بَعْضَ صَاعٍ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إخْرَاجِ فِطْرَةِ نَفْسِهِ وَلَهُ زَوْجَةٌ وَأَقَارِبُ (، وَالْأَصَحُّ) أَنَّهُ يُقَدِّمُ نَفْسَهُ وَقِيلَ: زَوْجَتَهُ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. قَالَ الْإِمَامُ: وَلَعَلَّ قَائِلَهُ تَلَقَّى مَذْهَبَهُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِيثَارِ فِي النَّفَقَةِ لَمَّا رَأَى الْفِطْرَةَ مُتَلَقَّاةً مِنْ النَّفَقَةِ وَهُوَ سَاقِطٌ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَةَ قُرْبَةٌ، وَلَا إيثَارَ فِي الْقُرَبِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ الْأَئِمَّةُ فِي إيثَارِ عَائِشَةَ لِعُمَرَ (رضي الله عنهما) بِدَفْنِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حُجْرَتِهَا، وَقَوْلِهَا: كُنْت أَعْدَدْتُهُ لِنَفْسِي وَلَأُوثِرَنَّهُ بِهِ، وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ إيثَارٌ لِمَنْ رَأَى أَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا طَلَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِيثَارَ بِشَرَابِهِ مِنْ الشَّابِّ الْجَالِسِ عَنْ يَمِينِهِ لِمَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ.

وفي البحر الزخار:

فَصْلٌ وَلِلْمَرْءِ قَتْلُ مَا صَالَ عَلَيْهِ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ وَلَمْ يَنْدَفِعْ إلَّا بِالْقَتْلِ إجْمَاعًا، لقوله تعالى {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ} . (فَرْعٌ) (هـ ح) وَلَا يَضْمَنُ (مُحَمَّدٌ) لَا يُضْمَنُ الْعَاقِلُ وَتُضْمَنُ الْبَهِيمَةُ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، إذْ جَعَلَ اخْتِيَارَهُمْ كَلَا اخْتِيَارٍ. قُلْنَا: تَعَدِّيه كَقَتْلِهِ نَفْسَهُ. (فَرْعٌ) وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لِلْبَهِيمَةِ كَالذِّمِّيِّ، إذْ فِيهِ صَغَارٌ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا حُرْمَةَ لِلْبَهِيمَةِ فَأَشْبَهَتْهُ. وَفِي الِاسْتِسْلَامِ لِلْمُسْلِمِ وَجْهَانِ (ى) أَصَحُّهُمَا: لَا يَجُوزُ إذْ أَبْطَلَ حُرْمَتَهُ بِصَوْلَتِهِ فَأَشْبَهَ الذِّمِّيَّ. وَقِيلَ: يَجُوزُ، {لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِحُذَيْفَةَ فِي وَصْفِ الْفِتَنِ كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ} قُلْنَا: أَرَادَ بِبَذْلِ نَفْسِهِ لِلْقَتْلِ فِي الْفِتْنَةِ بِقِتَالِ أَهْلِهَا. (فَرْعٌ) وَلَوْ سَقَطَ زِقٌّ عَلَى رَاسِ إنْسَانٍ فَانْخَرَقَ لَمْ يُضْمَنْ كَالصَّائِلِ وَقِيلَ: يُضْمَنُ كَالْمُضْطَرِّ، وَلَوْ سَدَّتْ بَهِيمَةٌ بَابَ بَيْتٍ جَازَ لِلْمُضْطَرِّ قَتْلُهَا إنْ لَمْ تَنْدَفِعْ إلَّا بِهِ. وَلَا ضَمَانَ كَالصَّائِلِ، وَقِيلَ: يُضْمَنُ كَالْمُضْطَرِّ. (فَرْعٌ) وَلِمَنْ خَشِيَ التَّلَفَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا إيثَارُ غَيْرِهِ، كَقِصَّةِ بَعْضِ قَتْلَى أُحُدٍ.""

(قَوْلُهُ) {لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِحُذَيْفَةَ فِي وَصْفِ الْفِتَنِ: كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ، وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ} هَذَا غَرِيبٌ عَنْ حُذَيْفَةَ، لَكِنْ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي ذِكْرِ الْفِتَنِ مَا لَفْظُهُ {قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَامُرُنِي قَالَ: تَلْزَمُ بَيْتَك، قُلْت: فَإِنْ دُخِلَ عَلَيَّ بَيْتِي؟ قَالَ: فَإِنْ خَشِيت أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقَ ثَوْبَك عَلَى وَجْهِك يَبُؤْ بِإِثْمِك وَإِثْمِهِ} وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ {أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: إنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي خَيْرٌ مِنْ السَّاعِي، قُلْت: أَرَأَيْت إنْ دُخِلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ يَدَهُ إلَيَّ لِيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: كُنْ كَابْنِ آدَمَ} هَذِهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ، وَلِأَبِي دَاوُد نَحْوُهُ.

وفي أسنى المطالب:

(فَصْلٌ) (لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْمَالِ) غَيْرِ ذِي الرُّوحِ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْمَالِ جَائِزَةٌ نَعَمْ إنْ كَانَ مَالَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ أَوْ وَقْفٍ أَوْ مَالًا مُودَعًا وَجَبَ عَلَى مَنْ هُوَ بِيَدِهِ الدَّفْعُ عَنْهُ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ وَكَذَا إنْ كَانَ مَالُهُ وَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ لِلْغَيْرِ كَرَهْنٍ وَإِجَارَةٍ قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ (وَيَجِبُ) الدَّفْعُ عَنْ (الْحَرَمِ) أَيْ النِّسَاءِ (إنْ أَمِنَ الْهَلَاكَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْإِبَاحَةِ فِيهِنَّ بِخِلَافِ الْمَالِ وَتَعْبِيرُهُ بِالْحَرَمِ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِ أَصْلِهِ بِالْأَهْلِ، وَالْمُرَادُ الدَّفْعُ عَنْ الْبُضْعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ (وَكَذَا) يَجِبُ الدَّفْعُ (عَنْ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ) الْمُحْتَرَمَيْنِ (إنْ قَصَدَهُ كَافِرٌ) وَلَوْ مَعْصُومًا إذْ غَيْرُ الْمَعْصُومِ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَالْمَعْصُومُ بَطَلَتْ حُرْمَتُهُ بِصِيَالِهِ وَلِأَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْكَافِرِ ذُلٌّ فِي الدِّينِ (أَوْ بَهِيمَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا تُذْبَحُ لِاسْتِيفَاءِ الْآدَمِيِّ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِسْلَامِ بِهَا وَظَاهِرٌ أَنَّ عُضْوَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت