الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا {144} إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا {145}
ومن علامات الإعجاز في هذا القرآن، أن هذه النصوص التي نزلت لتواجه معركة معينة، ما تزال هي بذاتها تصور طبيعة المعركة الدائمة المتجددة بين الجماعة المسلمة في كل مكان، وعلى توالي الأجيال، وبين أعدائها التقليديين؛ الذين ما يزالون هم هم، وما تزال حوافزهم هي هي في أصلها، وإن اختلفت أشكالها وظواهرها وأسبابها القريبة، وما تزال أهدافهم هي هي في طبيعتها وإن اختلفت أدواتها ووسائلها، وما تزال زلزلة العقيدة، وزعزعة الصف، والتشكيك في القيادة الربانية، هي الأهداف التي تصوب إليها طلقاتهم الماكرة، للوصول من ورائها إلى الاستيلاء على مقاليد الجماعة المسلمة، والتصرف في مقاديرها، واستغلال أرضها وجهدها وغلاتها وقواها وطاقاتها، كما كانت يهود تستغل الأوس والخزرج في المدينة، قبل أن يعزهم الله ويجمعهم بالإسلام، وبالقيادة المسلمة، وبالمنهج الرباني.
وقد حفلت هذه السورة كما حفلت سورتا البقرة وآل عمران بالحديث عن تلك المؤامرات التي لا تنقطع من اليهود ضد الجماعة المسلمة، بالاتفاق مع المنافقين ومع المشركين. وستجيء هذه النصوص مشروحة عند استعراضها في مكانها في السياق. فنكتفي هنا بإثبات طرف من هذه الحملة العنيفة:
وإذا لم تتجرد النفس لله، لم تتحرر أبدا من ضغط القيم والأوضاع، والضرورات والمصالح، والحرص والشح. ولم ترتفع أبدا على المصالح والمغانم، والمطامع والمطامح. ولم تستشعر أبدا تلك الطلاقة والكرامة والاستعلاء التي يحسها القلب المملوء بالله، أمام القيم والأوضاع، وأمام الأشخاص والأحداث، وأمام القوى الأرضية والسلطان وأصحاب السلطان. .
ومن هنا تبذر بذرة النفاق. . وما النفاق في حقيقته إلا الضعف عن الإصرار على الحق في مواجهة الباطل. وهذا الضعف هو ثمرة الخوف والطمع، وتعليقهما بغير الله؛ وثمرة التقيد بملابسات الأرض ومواضعات الناس، في عزلة عن منهج الله للحياة.
فهناك مناسبة في السياق بين الحديث عن الإيمان بالله، والتجرد في القيام بالشهادة له، وبين الحديث عن النفاق - إلى جانب المناسبة العامة، التي يكونها موضوع السورة الأصيل، وهو تربية الجماعة المسلمة بمنهج الإسلام؛ ومعالجة الرواسب الباقية من الجاهلية؛ وتعبئة النفوس كذلك ضد الضعف البشري الفطري. . ثم خوض المعركة - بهذه الجماعة - مع المشركين من حواليها، ومع المنافقين فيها. والسياق متصل في هذا الهدف العام - من مبدأ السورة إلى منتهاها. وهكذا يستغرق الحديث عن النفاق والمنافقين بقية هذا الدرس، وهو ختام هذا الجزء. . بعد تلك الصورة التي رسمتها الآية السابقة لطائفة من المنافقين آمنوا ثم كفروا. ثم آمنوا ثم كفروا. ثم ازدادوا كفرا. . ومن هنا تبدأ الحملة التي سبقت الإشارة إليها على النفاق والمنافقين بشتى أساليبها الجديرة بالدراسة والتأمل، لمعرفة طبيعة المنهج وهو يزاول العمل على الطبيعة؛ وفي واقع الحياة والقلوب! بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما. الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. أيبتغون عندهم العزة؟ فإن العزة لله جميعا. وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره.