فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 537

يَحْسُنُ هَذَا إلَّا إنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي غَائِبًا وَلَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ صِفَةِ الْوَاقِعِ فَيَجْتَهِدُ فِي بَيَانِ الْأَقْسَامِ وَحُكْمِ كُلِّ قِسْمٍ، لِئَلَّا يُفْهَمَ جَوَابُهُ عَلَى غَيْرِ مَا يُرِيدُ.

ب - أَنْ لَا تَكُونَ الْفَتْوَى بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ، لِئَلَّا يَقَعَ السَّائِلُ فِي حِيرَةٍ، كَمَنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فِي الْمَوَارِيثِ؟ فَقَالَ: تُقْسَمُ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ سُئِلَ عَنْ شِرَاءِ الْعَرَايَا بِالتَّمْرِ؟ فَقَالَ: يَجُوزُ بِشُرُوطِهِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ لَا يَدْرِي مَا شُرُوطُهُ، لَكِنْ إنْ كَانَ السَّائِلُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْلُ هَذَا، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ قَوْلَ الْمُفْتِي جَازَ ذَلِكَ.

ج - يَحْسُنُ ذِكْرُ دَلِيلِ الْحُكْمِ فِي الْفُتْيَا سَوَاءٌ كَانَ آيَةً أَوْ حَدِيثًا حَيْثُ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ، وَيَذْكُرُ عِلَّتَهُ أَوْ حِكْمَتَهُ، وَلَا يُلْقِيهِ إلَى الْمُسْتَفْتِي مُجَرَّدًا، فَإِنَّ الْأَوَّلَ أَدْعَى لِلْقَبُولِ بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ وَفَهْمٍ لِمَبْنَى الْحُكْمِ، وَذَلِكَ أَدْعَى إلَى الطَّاعَةِ وَالِامْتِثَالِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنْ فَتَاوَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ الْحِكَمَ. كَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: {نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُزَوَّجَ الْمَرْأَةُ عَلَى الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ وَقَالَ: إنَّكُنَّ إذَا فَعَلْتُنَّ ذَلِكَ قَطَعْتُنَّ أَرْحَامَكُنَّ} وَقَوْلُهُ فِي وَضْعِ الْجَوَائِحِ: أَرَأَيْت إذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَاخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ وَقَالَ الصَّيْمَرِيِّ: لَا يَذْكُرْ الْحُجَّةَ إنْ أَفْتَى عَامِّيًّا، وَيَذْكُرُهَا إنْ أَفْتَى فَقِيهًا، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ الْفَتْوَى بِقَضَاءِ قَاضٍ فَيُومِئُ فِيهَا إلَى طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ وَيُلَوِّحُ بِالنُّكْتَةِ، وَكَذَا إنْ أَفْتَى فِيمَا غَلِطَ فِيهِ غَيْرُهُ فَيُبَيِّنُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَذْكُرُ الْحُجَّةَ لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الْفَتْوَى إلَى التَّصْنِيفِ.

د - لَا يَقُولُ فِي الْفُتْيَا: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَّا بِنَصٍّ قَاطِعٍ، أَمَّا الْأُمُورُ الِاجْتِهَادِيَّةُ فَيَتَجَنَّبُ فِيهَا ذَلِكَ لِحَدِيثِ: {وَإِذَا حَاصَرَتْ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوك أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟} . وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ الصَّوَابَ فِي قَوْلِ أَحَدِ الْمُخْتَلِفِينَ، أَمَّا مَنْ يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: هَذَا حُكْمُ اللَّهِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ.

هـ - يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْفُتْيَا بِكَلَامٍ مُوجَزٍ وَاضِحٍ مُسْتَوْفٍ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْمُسْتَفْتِي مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِسُؤَالِهِ، وَيَتَجَنَّبُ الْإِطْنَابَ فِيمَا لَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ تَحْدِيدٍ، لَا مَقَامُ وَعْظٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَوْ تَصْنِيفٍ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: إلَّا فِي نَازِلَةٍ عَظِيمَةٍ تَتَعَلَّقُ بِوُلَاةِ الْأُمُورِ، وَلَهَا صِلَةٌ بِالْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ، فَيَحْسُنُ الْإِطْنَابُ بِالْحَثِّ وَالْإِيضَاحِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَبَيَانِ الْحُكْمِ وَالْعَوَاقِبِ، لِيَحْصُلَ الِامْتِثَالُ التَّامُّ. وَإِنْ كَانَ لِكَلَامِهِ قَبُولٌ وَيَحْرِصُ النَّاسُ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، فَلَا بَاسَ بِالْإِطَالَةِ وَاسْتِيفَاءِ جَوَانِبِ الْمَسْأَلَةِ.

الْإِفْتَاءُ بِالْإِشَارَةِ:

32 -تَجُوزُ الْفُتْيَا بِالْإِشَارَةِ إنْ كَانَتْ مُفْهِمَةً لِلْمُرَادِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ أَفْتَى بِالْإِشَارَةِ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ يَوْمَ النَّحْرِ عَنْ التَّقْدِيمِ وَالتَّاخِيرِ؟ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ أَنْ لَا حَرَجَ} وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: {إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا - وَأَشَارَ إلَى لِسَانِهِ - أَوْ يَرْحَمُ} .

(الْإِفْتَاءُ بِالْكِتَابَةِ) :

33 -تَجُوزُ الْفُتْيَا كِتَابَةً، وَلَكِنْ فِيهَا خُطُورَةٌ مِنْ حَيْثُ إمْكَانُ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فِيهَا وَنِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى الْمُفْتِي، وَلِذَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَحَرَّزَ فِي كِتَابَتِهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ فِيهَا الْإِضَافَةُ وَالتَّزْوِيرُ.

أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَى الْفُتْيَا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت