37 -إذَا تَبَيَّنَ لِلْمُفْتِي أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي الْفُتْيَا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْ الْخَطَأِ إذَا أَفْتَى فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى مُمَاثِلَةٍ، لِكِتَابِ عُمَرَ رضي الله عنه إلَى أَبِي مُوسَى رضي الله عنه:"وَلَا يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْت فِيهِ الْيَوْمَ، فَرَاجَعْت فِيهِ رَايَك، فَهُدِيت فِيهِ لِرُشْدِك أَنْ تُرَاجِعَ فِيهِ الْحَقَّ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ. ثُمَّ إنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي لَمْ يَعْمَلْ بِالْفُتْيَا الْأُولَى لَزِمَ الْمُفْتِيَ إعْلَامُهُ بِرُجُوعِهِ، لِأَنَّ الْعَامِّيَّ يَعْمَلُ بِهَا لِأَنَّهَا قَوْلُ الْمُفْتِي، وَإِذَا رَجَعَ عَنْهَا فَلَيْسَتْ قَوْلًا لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ بِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: يَلْزَمُهُ إعْلَامُهُ حَيْثُ يَجِبُ النَّقْضُ. أَيْ إذَا خَالَفَ قَاطِعًا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، لِأَنَّ مَا رَجَعَ عَنْهُ قَدْ اعْتَقَدَ بُطْلَانَهُ."
38 -وَإِنْ رَجَعَ الْمُفْتِي عَنْ فُتْيَاهُ، أَوْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، فَلَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَسْتَنِدَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إلَيْهَا فِي وَاقِعَةٍ أُخْرَى مُمَاثِلَةٍ. وَأَمَّا مَا فَعَلَهُ وَمَضَى فَلَهُ أَحْوَالٌ:
أ - إنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُفْتِيَ خَالَفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ لَا مُعَارِضَ لَهَا أَوْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ، أَوْ الْقِيَاسَ الْجَلِيَّ، يُنْقَضُ مَا عَمِلَ، فَإِنْ كَانَ بَيْعًا فَسَخَاهُ، وَإِنْ كَانَ نِكَاحًا وَجَبَ عَلَيْهِ فِرَاقُهَا، وَإِنْ كَانَ اسْتَحَلَّ بِهَا مَالًا وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ إلَى أَرْبَابِهِ.
ب - إنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ الْأُولَى عَنْ اجْتِهَادٍ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ، فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَفْتِيَ نَقْضُ مَا عَمِلَ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يُنْقَضُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالْفُتْيَا فِي هَذَا نَظِيرُ الْقَضَاءِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَعْطَى الْإِخْوَةَ لِأُمٍّ الثُّلُثَ، وَحَرَمَ الْإِخْوَةَ الْأَشِقَّاءَ، ثُمَّ وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ أُخْرَى فَأَرَادَ أَنْ يَحْكُمَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْأَشِقَّاءِ: هَبْ أَنَّ أَبَانَا كَانَ حِمَارًا، أَلَيْسَتْ أُمُّنَا وَاحِدَةً؟ فَشَرَكَ بَيْنَهُمْ فِي الثُّلُثِ، فَقِيلَ لَهُ فِي نَقْضِ الْأُولَى فَقَالَ: تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذِهِ عَلَى مَا نَقْضِي، وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ النِّكَاحَ، فَرَأَوْا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُفَارِقَهَا.
39 -إنْ أَتْلَفَ الْمُسْتَفْتِي بِنَاءً عَلَى الْفُتْيَا شَيْئًا، كَأَنْ قُتِلَ فِي شَيْءٍ ظَنَّهُ الْمُفْتِي رِدَّةً، أَوْ قُطِعَ فِي سَرِقَةٍ لَا قَطْعَ فِيهَا، أَوْ جُلِدَ بِشُرْبٍ لَا يَجِبُ فِيهِ الْحَدُّ - كَمَنْ شَرِبَ مُكْرَهًا - فَمَاتَ، فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِي عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ، عَلَى مَا نَقَلَهُ الدُّسُوقِيُّ عَنْ الْحَطَّابِ: أَنَّ مَنْ أَتْلَفَ بِفَتْوَاهُ شَيْئًا وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُقَلِّدًا ضَمِنَ إنْ انْتَصَبَ وَتَوَلَّى بِنَفْسِهِ فِعْلَ مَا أَفْتَى فِيهِ، وَإِلَّا كَانَتْ فَتْوَاهُ غُرُورًا قَوْلِيًّا لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَيُزْجَرُ. فَأَمَّا إنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ اشْتِغَالٌ بِالْعِلْمِ أُدِّبَ. الثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَكْسُ هَذَا، قَالَ النَّوَوِيُّ: عَنْ أَبِي إسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ: إنَّ الْمُفْتِيَ يَضْمَنُ إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْفَتْوَى فَبَانَ خَطَؤُهُ وَأَنَّهُ خَالَفَ الْقَاطِعَ، وَلَا يَضْمَنُ إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ قَصَّرَ - أَيْ بِسُؤَالِهِ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا - كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَاسْتَشْكَلَهُ النَّوَوِيُّ، وَمَالَ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي تَخْرِيجُهُ عَلَى قَوْلَيْ الْغُرُورِ فِي بَابَيْ الْغَصْبِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ يُقْطَعُ بِعَدَمِ الضَّمَانِ إذْ لَا إلْجَاءَ فِي الْفَتْوَى وَلَا إلْزَامَ. وَذَهَبَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ الْحَنَابِلَةِ إلَى مِثْلِ قَوْلِ أَبِي إسْحَاقَ. الثَّالِثُ: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إلَى إنَّهُ إنْ كَانَ أَهْلًا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الضَّمَانُ وَإِلَّا ضَمِنَ، وَقَاسَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْمُتَطَبِّبِ الْجَاهِلِ، وَهُوَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ} ، وَلِكَوْنِهِ غَرَّ الْمُسْتَفْتِيَ بِتَصَدُّرِهِ لِلْفَتْوَى وَهُوَ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ.
(الْإِمَامُ وَشُئُونُ الْفَتْوَى) :