الَّتِي يُتَدَارَكُ بِهَا الْمُهَجُ، قَالَ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ إيثَارُ الْبَهِيمَةِ، وَكَيْف يُظَنُّ هَذَا، وَيَجِبُ قَتْلُ الْبَهِيمَةِ؛ لِاسْتِبْقَاءِ الْمُهْجَةِ، وَقَالَ وَالِدُهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ مِنْ الْفُرُوقِ: الْمُضْطَرُّ إنْ أَرَادَ الْإِيثَارَ بِمَا مَعَهُ لِاسْتِحْيَاءِ مُهْجَةٍ أُخْرَى كَانَ لَهُ الْإِيثَارُ، وَإِنْ خَافَ فَوَاتَ مُهْجَتِهِ. وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَمَعَهُ مَا يَكْفِيهِ لِطَهَارَتِهِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَحْتَاجُهُ لِلطَّهَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْإِيثَارُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَقَّ فِي الطَّهَارَةِ حَقٌّ لِلَّهِ، فَلَا يُسَوَّغُ فِيهِ الْإِيثَارُ، وَالْحَقُّ فِي حَالِ الْمَخْمَصَةِ حَقُّهُ فِي نَفْسِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْمُهْجَتَيْنِ عَلَى شَرَفِ التَّلَفِ إلَّا وَاحِدَةً تُسْتَدْرَكُ بِذَلِكَ الطَّعَامِ فَحَسُنَ إيثَارُ غَيْرِهِ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ: وَيُقَوِّي هَذَا الْفَرْقَ مَسْأَلَةُ الْمُدَافَعَةِ وَهِيَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَصَدَ قَتْلَ غَيْرِهِ ظُلْمًا، وَالْمَقْصُودُ يَقْدِرُ عَلَى الدَّفْعِ غَيْرَ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالدَّفْعِ رُبَّمَا يَقْتُلُ الْقَاصِدَ كَانَ لِلْمَقْصُودِ الِاسْتِسْلَامُ، وَقَدْ اخْتَلَفَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ (رحمه الله) فِي ذَلِكَ. انْتَهَى. وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الصِّيَالِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ الْغَيْرِ عِنْدَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ قَطْعًا (الثَّانِي) : فِي الْقُرُبَاتِ كَمَنْ يُؤْثِرُ بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ لِغَيْرِهِ وَيَتَأَخَّرُ هُوَ أَوْ يُؤْثِرُ بِقُرْبِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ السَّابِقِ أَنَّهُ حَرَامٌ، وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ: لَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ وَمَعَهُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ فَوَهَبَهُ لِغَيْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ بِهِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِيثَارَ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّفُوسِ وَالْمُهَجِ لَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُرَبِ وَالْعِبَادَاتِ، وَقَالَ فِي بَابِ زَكَاةِ الْفِطْرِ: لَا أَعْرِفُ خِلَافًا فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الْإِيثَارُ. وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ فِي (الْقَوَاعِدِ) : لَا إيثَارَ فِي الْقُرُبَاتِ فَلَا إيثَارَ بِمَاءِ الْمُتَيَمِّمِ، وَلَا بِالصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَلَا بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ بِالْعِبَادَاتِ التَّعْظِيمُ وَالْإِجْلَالُ، فَمَنْ آثَرَ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ إجْلَالَ الْإِلَهِ وَتَعْظِيمَهُ فَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِأَمْرٍ فَتَرَكَهُ وَقَالَ لِغَيْرِهِ قُمْ بِهِ، فَإِنَّ هَذَا يُسْتَقْبَحُ عِنْدَ النَّاسِ بِتَبَاعُدِهِ مِنْ إجْلَالِ الْأَمْرِ وَقُرْبِهِ (انْتَهَى) . وَأَمَّا النَّوَوِيُّ فَجَزَمَ بِالْكَرَاهَةِ، فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ (ابْنِ عُمَرَ) : (كَانَ إذَا قَامَ لَهُ رَجُلٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لَمْ يَجْلِسْ فِيهِ) ، هَذَا نُوزِعَ فِيهِ) لِوَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ رُبَّمَا اسْتَحْيَا مِنْهُ إنْسَانٌ فَقَامَ لَهُ مِنْ مَجْلِسِهِ مِنْ غَيْرِ طِيبِ قَلْبِهِ فَسَدَّ ابْنُ عُمَرَ الْبَابَ لِيَسْلَمَ مِنْ هَذَا، (وَالثَّانِي) أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى فَكَانَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِئَلَّا يَرْتَكِبَ أَحَدٌ بِسَبَبِهِ مَكْرُوهًا، أَوْ خِلَافَ الْأَوْلَى بِأَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَيُؤْثِرَ بِهِ وَنَحْوُهُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِنَّمَا يُحْمَدُ الْإِيثَارُ بِحُظُوظِ النَّفْسِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا دُونَ الْقُرَبِ. انْتَهَى. وَذُكِرَ فِي بَابِ الْجُمُعَةِ مِنْ (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ) : إنَّهُ لَا يُقِيمُ مَنْ جَلَسَ لِيَجْلِسَ فِي مَوْضِعِهِ، فَإِنْ قَامَ بِاخْتِيَارِهِ لَمْ يُكْرَهْ، فَإِنْ انْتَقَلَ إلَى أَبْعَدَ مِنْ الْإِمَامِ كُرِهَ، قَالَ (الْأَصْحَابُ) : لِأَنَّهُ آثَرَ بِالْقُرْبَةِ. انْتَهَى. وَهَذَا كُلُّهُ يُشْكَلُ عَلَيْهِ مَنْ يُصَلِّي فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ إذَا جَاءَ الْمُنْفَرِدُ لِيُصَلِّيَ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَجِدْ فُرْجَةً فَلَهُ أَنْ يَجُرَّ شَخْصًا وَيُسَاعِدَهُ الْمَجْرُورُ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ فَوَّتَ لِنَفْسِهِ قُرْبَةً، وَهُوَ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَهَذَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ: إنَّ الْإِيثَارَ لَا يَكُونُ فِي الْقُرَبِ بَلْ فِي مَسْأَلَةِ الْوُضُوءِ قَدْ أَعْطَى الْمَاءَ مَنْ يُؤَدِّي بِهِ عِبَادَةً، وَأَمَّا فِي مَسْأَلَةِ الصَّفِّ فَقَدْ فَاتَهُ أَجْرُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَحْصُلْ الْمُصَلِّي الثَّانِي عَلَى أَجْرِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْوُضُوءِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ {ابْدَا بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ} ، وَهَذَا، وَإِنْ وَرَدَ فِي الْإِنْفَاقِ لَكِنْ اسْتَعْمَلَهُ بَعْضُهُمْ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ أَيْضًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيثَارَ بِالْقُرَبِ حَرَامٌ، أَوْ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلَافُ الْأَوْلَى خِلَافٌ، وَأَمَّا الْإِيثَارُ بِحُقُوقِ النَّفْسِ فَمُسْتَحَبٌّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَمِنْ هَذَا أَيْضًا الدُّعَاءُ فَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ فِيهِ بِنَفْسِهِ؛ لِقَوْلِهِ: صلى الله عليه وسلم {رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى} ، وَمِنْ ذَلِكَ إيثَارُ الطَّالِبِ غَيْرَهُ بِنَوْبَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ، وَقَدْ حَكَى (الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ) فِي كِتَابِهِ (الْجَامِعِ)