شَاهِدَانِ، أَوْ شَاهِدٌ وَامْرَأَتَانِ هُوَ مَا سِوَى الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَقُّ مَالًا أَمْ غَيْرَ مَالٍ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْوَكَالَةِ وَالْوِصَايَةِ. وَدَلِيلُهُ قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ} . وَقَصَرَ الْجُمْهُورُ قَبُولَ شَهَادَةِ الرَّجُلَيْنِ أَوْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَتَيْنِ عَلَى مَا هُوَ مَالٌ أَوْ بِمَعْنَى الْمَالِ، كَالْبَيْعِ، وَالْإِقَالَةِ، وَالْحَوَالَةِ، وَالضَّمَانِ، وَالْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ، كَالْخِيَارِ، وَالْأَجَلِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَأَجَازُوا فِيهِ أَنْ يَثْبُتَ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي. وَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ {أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ} . وَلَمْ يُجِزْ الْحَنَفِيَّةُ الْقَضَاءَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ؛ لِأَنَّ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الشَّانِ لَا تَثْبُتُ عِنْدَهُمْ. هـ - وَمِنْهَا مَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَاتٍ، وَهُوَ الْوِلَادَةُ وَالِاسْتِهْلَالُ وَالرَّضَاعُ، وَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمَسْتُورَةِ. وَلَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ النِّسَاءِ. عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إلَى أَنَّهُ تُقْبَلُ فِي الْوِلَادَةِ شَهَادَةُ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ غَيْرِ الْقَابِلَةِ إلَّا مَعَ غَيْرِهَا. وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ. الثَّانِي: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ تُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مُسْلِمَةٍ حُرَّةٍ عَدْلَةٍ قَابِلَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَهَا، إلَّا وِلَادَةَ الْمُطَلَّقَةِ فَلَا تُقْبَلُ فِيهَا شَهَادَةُ الْوَاحِدَةِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ - رضي الله عنه - {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَجَازَ شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ} . وَبِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ - رضي الله تعالى عنهما - أَنَّهُمَا أَجَازَا شَهَادَتَهَا. الثَّالِثُ: ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالْحَكَمُ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ إلَى أَنَّهُ تُقْبَلُ فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُنَّ لَمَّا قُمْنَ فِي انْفِرَادِهِنَّ مَقَامَ الرِّجَالِ، وَجَبَ أَنْ يَقُمْنَ فِي الْعَدَدِ مَقَامَ الرِّجَالِ، وَأَكْثَرُ عَدَدِ الرِّجَالِ اثْنَانِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ أَكْثَرُ عَدَدِ النِّسَاءِ اثْنَتَيْنِ الرَّابِعُ: هُوَ مَا حُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ أَنَّهُ تُقْبَلُ ثَلَاثُ نِسْوَةٍ، وَلَا يُقْبَلُ أَقَلُّ مِنْهُنَّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَنَسٍ. وَاسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ضَمَّ شَهَادَةَ الْمَرْأَتَيْنِ إلَى الرَّجُلِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَنْفَرِدْنَ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَبْدَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْفَرِدْنَ فِيهِ فَيَصِرْنَ ثَلَاثًا. الْخَامِسُ: ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيْثُ أَجَازَ الشَّهَادَةَ انْتَهَى بِأَقَلِّهَا إلَى شَاهِدَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ، فَأَقَامَ الثِّنْتَيْنِ مَقَامَ رَجُلٍ، حَيْثُ أَجَازَهُمَا فَإِذَا أَجَازَ الْمُسْلِمُونَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ فِيمَا يَغِيبُ عَنْ الرِّجَالِ لَمْ يَجُزْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُجِيزُوهَا إلَّا عَلَى أَصْلِ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الشَّهَادَاتِ، فَيَجْعَلُونَ كُلَّ امْرَأَتَيْنِ تَقُومَانِ مَقَامَ رَجُلٍ، وَإِذَا فَعَلُوا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَرْبَعٌ، وَهَكَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ اللَّهِ - عَزَّ ذِكْرُهُ - وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ. و - وَمِنْهَا مَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ شَاهِدٍ وَاحِدٍ، فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ بِمُفْرَدِهِ فِي إثْبَاتِ رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ اسْتِدْلَالًا بِحَدِيثِ {ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْت النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنِّي رَأَيْته فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ} . وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ: {جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إنِّي رَأَيْت الْهِلَالَ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ وَأَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا} . وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إنْ كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غُبَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الطَّبِيبِ الْوَاحِدِ فِي الشِّجَاجِ، وَالْبَيْطَارِ فِي عُيُوبِ الدَّوَابِّ. وَقَيَّدَهُ الْمَالِكِيَّةُ بِمَا إذَا كَانَ بِتَكْلِيفٍ مِنْ الْإِمَامِ. وَقَيَّدَهُ الْحَنَابِلَةُ بِمَا إذَا لَمْ