أَنَّ هَذَا كَانَ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ أَخِيهِ وَرِضًا مِنْهُ بِذَلِكَ، وَالْحَقُّ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قوله تعالى: {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَرَّفَهُ أَنَّهُ يُوسُفُ وَوَطَّنَهُ عَلَى عَدَمِ الِابْتِئَاسِ بِالْحِيلَةِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي أَخْذِهِ مِنْهُمْ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِأَنَّهُ يُوسُفُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ إنِّي مَكَانَ أَخِيكَ الْمَفْقُودَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا يُعَامِلُكَ بِهِ إخْوَتُكَ مِنْ الْجَفَاءِ. وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ: إنَّهُ وَضَعَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ وَالْأَخُ لَا يَشْعُرُ، وَلَكِنْ هَذَا خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ الْقُرْآنِ وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ، وَفِيهِ تَرْوِيعٌ لِمَنْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ التَّرْوِيعَ. وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَقَدْ قَالَ كَعْبٌ وَغَيْرُهُ: لَمَّا قَالَ لَهُ إنِّي أَنَا أَخُوكَ، قَالَ: فَأَنَا لَا أُفَارِقُكَ. قَالَ يُوسُفُ: فَقَدْ عَلِمْتَ اغْتِمَامَ وَالِدِي بِي، فَإِذَا حَبَسْتُكَ ازْدَادَ غَمُّهُ، وَلَا يُمْكِنُنِي هَذَا إلَّا بَعْدَ أَنْ أُشْهِرُكَ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ وَأَنْسُبَكَ إلَى مَا لَا يُحْتَمَلُ، قَالَ: لَا أُبَالِي. فَافْعَلْ مَا بَدَا لَكَ فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ، قَالَ: فَإِنِّي أَدُسُّ صُوَاعِي. هَذَا فِي رَحْلِكَ، ثُمَّ أُنَادِي عَلَيْكَ بِالسَّرِقَةِ لِيَتَهَيَّأَ لِي رَدُّكَ، قَالَ: فَافْعَلْ؛ وَعَلَى هَذَا فَهَذَا التَّصَرُّفُ إنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ الْأَخِ وَرِضَاهُ. وَمِثْلُ هَذَا النَّوْعِ مَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّهُ لَمَّا هَمَّ قَوْمُهُ بِالرِّدَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَفَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّرَبُّصِ، وَكَانَ يَامُرُ ابْنَهُ إذَا رَعَى إبِلَ الصَّدَقَةِ أَنْ يَبْعُدَ، فَإِذَا جَاءَ خَاصَمَهُ بَيْنَ يَدَيْ قَوْمِهِ وَهَمَّ بِضَرْبِهِ، فَيَقُومُونَ فَيَشْفَعُونَ إلَيْهِ فِيهِ؛ وَيَامُرَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَنْ يَزْدَادَ بُعْدًا، فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَمَرَهُ أَنْ يَبْعُدَ بِهَا جِدًّا، وَجَعَلَ يَنْتَظِرُهُ بَعْدَمَا دَخَلَ اللَّيْلُ وَهُوَ يَلُومُ قَوْمَهُ عَلَى شَفَاعَتِهِمْ وَمَنْعِهِمْ إيَّاهُ مِنْ ضَرْبِهِ، وَهُمْ يَعْتَذِرُونَ عَنْ ابْنِهِ، وَلَا يُنْكِرُونَ إبْطَاءَهُ، حَتَّى إذَا انْهَارَ اللَّيْلُ رَكِبَ فِي طَلَبِهِ فَلَحِقَهُ، وَاسْتَاقَ الْإِبِلَ حَتَّى قَدِمَ بِهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما؛ فَكَانَتْ صَدَقَاتُ طَيِّئٍ مِمَّا اسْتَعَانَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ. وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ عَدِيًّا قَالَ لِعُمَرَ رضي الله عنه: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى، أَعْرِفُكَ، أَسْلَمْتَ إذْ كَفَرُوا، وَوَفَيْتَ إذْ غَدَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إذْ أَدْبَرُوا، وَعَرَفْتَ إذْ أَنْكَرُوا. وَمِثْلُ هَذَا مَا أَذِنَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْوَفْدِ الَّذِينَ أَرَادُوا قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَنْ يَقُولُوا، وَأَذِنَ لِلْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ عَامَ خَيْبَرَ أَنْ يَقُولَ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ الِاحْتِيَالِ الْمُبَاحِ؛ لِكَوْنِ صَاحِبِ الْحَقِّ قَدْ أَذِنَ فِيهِ وَرَضِيَ بِهِ، وَالْأَمْرُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَأَمْرٌ مُبَاحٌ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ: مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا: نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ، وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} إلَى قَوْلِهِ: {فَمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَسْمِيَتِهِمْ سَارِقِينَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَعَارِيضِ وَأَنَّ يُوسُفَ نَوَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ مِنْ أَبِيهِ حَيْثُ غَيَّبُوهُ عَنْهُ بِالْحِيلَةِ الَّتِي احْتَالُوا عَلَيْهِ، وَخَانُوهُ فِيهِ، وَالْخَائِنُ يُسَمَّى سَارِقًا، وَهُوَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَرْمُوزِ، وَلِهَذَا يُسَمَّى خَوَنَةُ الدَّوَاوِينِ لُصُوصًا. الثَّانِي: أَنَّ الْمُنَادِيَ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ: أَمَرَ يُوسُفُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلَ الصُّوَاعَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُوَكَّلِينَ وَقَدْ فَقَدُوهُ وَلَمْ يَدْرِ مَنْ أَخَذَهُ: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} عَلَى ظَنٍّ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ لَهُمْ بِذَلِكَ، أَوْ لَعَلَّ يُوسُفَ قَدْ قَالَ لِلْمُنَادِي: هَؤُلَاءِ سَرَقُوا، وَعَنَى أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ مِنْ أَبِيهِ، وَالْمُنَادِي فَهِمَ سَرِقَةَ الصُّوَاعِ فَصَدَقَ يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ، وَصَدَقَ الْمُنَادِي، وَتَأَمَّلْ حَذْفَ الْمَفْعُولِ فِي قَوْلِهِ: {إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} لِيَصِحَّ أَنْ يُضَمِّنَ سَرِقَتَهُمْ لِيُوسُفَ فَيَتِمُّ التَّعْرِيضُ، وَيَكُونُ الْكَلَامُ صِدْقًا، وَذَكَرَ الْمَفْعُولَ فِي قَوْلِهِ: {نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ} وَهُوَ