صَادِقٌ فِي ذَلِكَ، فَصَدَقَ فِي الْجُمْلَتَيْنِ مَعًا تَعْرِيضًا وَتَصْرِيحًا، وَتَأَمَّلْ قَوْلَ يُوسُفَ: {مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَاخُذَ إلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} وَلَمْ يَقُلْ إلَّا مَنْ سَرَقَ، وَهُوَ أَخْصَرُ لَفْظًا، تَحَرِّيًا لِلصِّدْقِ، فَإِنَّ الْأَخَ لَمْ يَكُنْ سَارِقًا بِوَجْهٍ، وَكَانَ الْمَتَاعُ عِنْدَهُ حَقًّا؛ فَالْكَلَامُ مِنْ أَحْسَنِ الْمَعَارِيضِ وَأَصْدَقِهَا. وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْمَلَكَيْنِ لِدَاوُدَ عليه السلام: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} إلَى قَوْلِهِ: {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ} أَيْ غَلَبَنِي فِي الْخِطَابِ، وَلَكِنَّ تَخْرِيجَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى الْمَعَارِيض لَا يَكَادُ يَتَأَتَّى، وَإِنَّمَا وَجْهُهُ أَنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى ضَرْبِ الْمِثَالِ: أَيْ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ الْحُكْمُ بَيْنَنَا. وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الْمَلِكِ لِلثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ:"مِسْكِينٌ وَغَرِيبٌ وَعَابِرُ سَبِيلٍ، وَقَدْ تَقَطَّعَتْ بِي الْحِبَالُ، وَلَا بَلَاغَ لِي الْيَوْمَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ بِكَ، فَأَسْأَلُكَ بِاَلَّذِي أَعْطَاكَ هَذَا الْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي هَذَا"وَهَذَا لَيْسَ بِتَعْرِيضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْرِيحٌ عَلَى وَجْهِ ضَرْبِ الْمِثَالِ وَإِيهَامٌ أَنِّي أَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَمَا أَوْهَمَ الْمَلَكَانِ دَاوُد أَنَّهُمَا صَاحِبَا الْقِصَّةِ لِيَتِمَّ الِامْتِحَانُ. وَلِهَذَا قَالَ نَصْرُ بْنُ حَاجِبٍ: سُئِلَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الرَّجُلِ يَعْتَذِرُ إلَى أَخِيهِ مِنْ الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ فَعَلَهُ، وَيُحَرِّفُ الْقَوْلَ فِيهِ لِيُرْضِيَهُ، لَمْ يَاثَمْ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: {لَيْسَ بِكَاذِبٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ يَكْذِبُ فِيهِ} فَإِذَا أَصْلَحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، وَذَلِكَ إذَا أَرَادَ بِهِ مَرْضَاةَ اللَّهِ، وَكَرِهَ أَذَى الْمُؤْمِنِ، وَيَنْدَمُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ، وَيَدْفَعُ شَرَّهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُرِيدُ بِالْكَذِبِ اتِّخَاذَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَهُمْ وَلَا طَمَعًا فِي شَيْءٍ يُصِيبُ مِنْهُمْ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُرَخَّصْ فِي ذَلِكَ، وَرَخَّصَ لَهُ إذَا كَرِهَ مَوْجِدَتَهُمْ وَخَافَ عَدَاوَتَهُمْ. قَالَ حُذَيْفَةُ: إنِّي أَشْتَرِي دِينِي بَعْضَهُ بِبَعْضٍ مَخَافَةَ أَنْ أُقْدِمَ عَلَى مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ الْمَلَكَانِ: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} أَرَادَ مَعْنَى شَيْءٍ وَلَمْ يَكُونَا خَصْمَيْنِ فَلَمْ يَصِيرَا بِذَلِكَ كَاذِبَيْنِ، وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: {إنِّي سَقِيمٌ} وَقَالَ: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ، وَقَالَ يُوسُفُ: {إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} فَبَيَّنَ سُفْيَانُ أَنَّ هَذَا مِنْ الْمَعَارِيضِ الْمُبَاحَةِ ... وفي النيل:
حَدِيثُ جَابِرٍ هُوَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ مُخْتَصَرًا، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ قَالَ لَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: {حَتَّى نَنْظُرَ إلَى مَا يَصِيرُ إلَيْهِ أَمْرُهُ: قَدْ أَرَدْتُ أَنْ تُسْلِفَنِي سَلَفًا، قَالَ: فَمَا تَرْهَنُنِي تَرْهَنُنِي نِسَاءَكُمْ قَالَ: أَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ أَنَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا؟ قَالَ: فَتَرْهَنُونَ أَبْنَاءَكُمْ، قَالَ يُسَبُّ ابْنُ أَحَدِنَا فَيُقَالُ: رُهِنَ فِي وَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، وَلَكِنْ نَرْهَنُكَ اللَّامَةَ يَعْنِي السِّلَاحَ، قَالَ: نَعَمْ وَوَاعَدَهُ أَنْ يَاتِيَهُ بِالْحَارِثِ وَأَبِي عَبْسِ بْنِ جَبْرٍ وَعَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، قَالَ فَجَاءُوا فَدَعَوْهُ لَيْلًا فَنَزَلَ إلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إنِّي لَأَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ صَوْتُ الدَّمِ، فَقَالَ: إنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةُ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إنَّ الْكَرِيمَ إذَا دُعِيَ إلَى طَعْنَةٍ لَيْلًا أَجَابَ قَالَ مُحَمَّدٌ: إذَا جَاءَ فَسَوْفَ أَمُدُّ يَدِي إلَى رَاسِهِ فَإِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَدُونَكُمْ، قَالَ: فَنَزَلَ وَهُوَ مُتَوَشِّحٌ فَقَالُوا: نَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الطِّيبِ، فَقَالَ: نَعَمْ تَحْتِي فُلَانَةُ أَعْطَرُ نِسَاءِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَفَتَاذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ مِنْكَ قَالَ: نَعَمْ فَشَمَّ ثُمَّ قَالَ: أَتَاذَنُ لِي أَنْ أَعُودَ قَالَ: نَعَمْ، فَاسْتَمْكَنَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: دُونَكُمْ، فَقَتَلُوهُ} . أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد. وَحَدِيثُ أُمِّ كُلْثُومٍ هُوَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ. وَقَدْ وَرَدَ فِي مَعْنَى حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ أَحَادِيثُ أُخَرُ مِنْهَا حَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا يَحْمِلكُمْ أَنْ تَتَابَعُوا عَلَى الْكَذِبِ كَتَتَابُعِ الْفَرَاشِ فِي النَّارِ، الْكَذِبُ كُلُّهُ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَرَامٌ إلَّا فِي ثَلَاثِ خِصَالٍ: رَجُلٌ كَذَبَ عَلَى امْرَأَتِهِ لِيُرْضِيَهَا، وَرَجُلٌ كَذَبَ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، وَرَجُلٌ كَذَبَ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمَا} وَالتَّتَابُعُ: التَّهَافُتُ فِي الْأَمْرِ. وَالْفَرَاشُ الطَّائِرُ: الَّذِي يَتَوَاقَعُ فِي ضَوْءِ السِّرَاجِ فَيَحْتَرِقُ.