الْبِضَاعَةِ لِيَكُونَ أَدْعَى لَهُمْ لِلْعَوْدِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ عَلِمَ أَنَّ أَمَانَتَهُمْ تُحْوِجُهُمْ إلَى الرَّجْعَةِ، لِيُؤَدُّوهَا إلَيْهِ، فَهَذَا الْمُحْتَالُ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ. وَالْمَقْصُودُ رُجُوعُهُمْ وَمَجِيءُ أَخِيهِ. وَذَلِكَ أَمْرٌ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ وَلِأَبِيهِمْ وَلَهُ وَهُوَ مَقْصُودٌ صَالِحٌ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَرِّفْهُمْ نَفْسَهُ لِأَسْبَابٍ أُخَرَ فِيهَا أَيْضًا مَنْفَعَةٌ لَهُ وَلَهُمْ وَلِأَبِيهِمْ، وَتَمَامٌ لِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ الْخَيْرِ فِي هَذَا الْبَلَاءِ. الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنَّهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ لَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجِهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَتَضَمَّنُ إيهَامَ أَنَّ أَخَاهُ سَارِقٌ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا كَانَ بِمُوَاطَأَةٍ مِنْ أَخِيهِ وَبِرِضًى مِنْهُ بِذَلِكَ وَالْحَقُّ لَهُ فِي ذَلِكَ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ {وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} . فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَرَّفَ أَخَاهُ نَفْسَهُ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ أَنَّهُ يُوسُفُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَا مَكَانُ أَخِيكَ الْمَفْقُودِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا قَالَ إنَّهُ وَضَعَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ وَالْأَخُ لَا يَشْعُرُ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَفْهُومِ مِنْ الْقُرْآنِ، وَخِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَفِيهِ تَرْوِيعٌ لِمَنْ لَمْ يَسْتَوْجِبْ التَّرْوِيعَ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَمَّا قَالَ لَهُ إنِّي أَنَا أَخُوكَ قَالَ بِنْيَامِينُ فَأَنَا لَا أُفَارِقُكَ قَالَ يُوسُفُ عليه السلام فَقَدْ عَلِمْتَ اغْتِمَامَ وَالِدِي بِي، وَإِذَا حَبَسْتُك ازْدَادَ غَمُّهُ وَلَا يُمْكِنُنِي هَذَا إلَّا بَعْدَ أَنْ أُشَهِّرَكَ بِأَمْرٍ فَظِيعٍ وَأَنْسُبَكَ إلَى مَا لَا تَحْتَمِلُ قَالَ: لَا أُبَالِي فَافْعَلْ مَا بَدَا لَك فَإِنِّي لَا أُفَارِقُك. قَالَ فَإِنِّي أَدُسُّ صَاعِي هَذَا فِي رَحْلِك، ثُمَّ أُنَادِي عَلَيْكَ بِالسَّرِقَةِ لِيَتَهَيَّأَ لِي رَدُّكَ بَعْدَ تَسْرِيحِكَ. قَالَ: فَافْعَلْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ} الْآيَةَ فَهَذَا التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِمَا فِيهِ أَذًى لَهُ فِي الظَّاهِرِ إنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ. وَمِثْلُ هَذَا النَّوْعِ مَا ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمَّا هَمَّ قَوْمُهُ بِالرِّدَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَفَّهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِالتَّرَبُّضِ، وَكَانَ يَامُرُ ابْنَهُ إذَا رَعَى إبِلَ الصَّدَقَةِ أَنْ يَبْعُدَ، فَإِذَا جَاءَ خَاصَمَهُ بَيْنَ يَدَيْ قَوْمِهِ وَهَمَّ يَضْرِبُهُ فَيَقُومُونَ فَيَشْفَعُونَ إلَيْهِ فِيهِ، وَيَامُرُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَنْ يَزْدَادَ بُعْدًا فَلَمَّا تَكَرَّرَ ذَلِكَ أَمَرَهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ أَنْ يَبْعُدَ بِهَا وَجَعَلَ يَنْتَظِرُهُ بَعْدَ مَا دَخَلَ اللَّيْلُ وَهُوَ يَلُومُ قَوْمَهُ عَلَى شَفَاعَتِهِمْ فِيهِ وَمَنْعِهِمْ إيَّاهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَهُمْ يَعْتَذِرُونَ عَنْ ابْنِهِ وَلَا يُنْكِرُونَ إبْطَاءَهُ حَتَّى إذَا انْهَارَ اللَّيْلُ رَكِبَ فِي طَلَبِهِ فَلَحِقَهُ وَاسْتَاقَ الْإِبِلَ حَتَّى قَدِمَ بِهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه فَكَانَتْ صَدَقَاتُ طَيِّئٍ مِمَّا اسْتَعَانَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ عَدِيًّا قَالَ لِعُمَرَ رضي الله عنهما فِي بَعْضِ الْأُمَرَاءِ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بَلَى أَعْرِفُكَ أَسْلَمْتَ إذَا كَفَرُوا وَوَفَّيْتَ إذَا غَدَرُوا وَأَقْبَلْتَ إذَا أَدْبَرُوا وَعَرَفْتَ إذَا أَنْكَرُوا. وَمِثْلُ هَذَا مَا أَذِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِلْوَفْدِ الَّذِينَ أَرَادُوا قَتْلَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ أَنْ يَقُولُوا وَأَذِنَ لِلْحَجَّاجِ بْنِ عِلَاطٍ عَامَ خَيْبَرَ أَنْ يَقُولَ وَهَذَا كُلُّهُ الْأَمْرُ الْمُحْتَالُ بِهِ مُبَاحٌ لِكَوْنِ الَّذِي قَدْ أُوذِيَ قَدْ أَذِنَ فِيهِ، وَالْأَمْرُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ طَاعَةٌ لِلَّهِ، أَوْ أَمْرٌ مُبَاحٌ. الضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إنَّكُمْ لَسَارِقُونَ قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} إلَى قَوْلِهِ: {فَمَا جَزَاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} وَقَدْ ذَكَرُوا فِي تَسْمِيَتِهِمْ سَارِقِينَ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْمَعَارِيضِ وَأَنَّ يُوسُفَ نَوَى بِذَلِكَ أَنَّهُمْ سَرَقُوهُ مِنْ أَبِيهِ حَيْثُ غَيَّبُوهُ عَنْهُ بِالْحِيلَةِ الَّتِي احْتَالُوهَا عَلَيْهِ وَخَانُوهُ فِيهِ وَالْخَائِنُ يُسَمَّى سَارِقًا وَهُوَ مِنْ الْكَلَامِ الْمَشْهُورِ حَتَّى أَنَّ الْخَوَنَةَ مِنْ ذَوِي الدِّيوَانِ يُسَمُّونَ لُصُوصًا. الثَّانِي: أَنَّ الْمُنَادِيَ هُوَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ يُوسُفَ عليه السلام. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ أَمَرَ يُوسُفُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلَ الصَّاعَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُ الْمُوَكَّلِينَ