فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 537

وَكَذَا صَلَاةُ الْمُسَافِرِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ لِقَوْلِهِ: عليه السلام {إنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ} الْحَدِيثَ) رُوِيَ {عَنْ عُمَرَ رضي الله تعالى عنه أَنَّهُ قَالَ أَنَقْصُرُ الصَّلَاةَ وَنَحْنُ آمِنُونَ فَقَالَ عليه السلام إنَّ هَذِهِ صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ} وَإِنَّمَا سَأَلَ عُمَرُ رضي الله تعالى عنه لِأَنَّ الْقَصْرَ مُتَعَلِّقٌ بِالْخَوْفِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ} وَهَذِهِ الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْعَدَمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وَكَذَا سُؤَالُ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَالًّا عَلَى عَدَمِ الْحُكْمِ لَمَا سَأَلَ عُمَرُ رضي الله عنه وَلَكَانَ عَالِمًا بِهَذَا؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَأَرْبَابِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَيَانِ. (وَالتَّصَدُّقُ بِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ إسْقَاطٌ لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ وَإِنْ كَانَ) أَيْ التَّصَدُّقُ (مِمَّنْ لَا يَلْزَمُ طَاعَتُهُ كَوَلِيِّ الْقِصَاصِ فَهَاهُنَا أَوْلَى) أَيْ فِي صُورَةٍ يَكُونُ التَّصَدُّقُ مِمَّنْ يَلْزَمُ طَاعَتُهُ، وَهُوَ اللَّهُ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ إسْقَاطًا لَا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ (وَلِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا يَثْبُتُ لِلْعَبْدِ إذَا تَضَمَّنَ رِفْقًا كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ) هَذَا دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ رُخْصَةُ إسْقَاطٍ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام (وَالرِّفْقُ هُنَا مُتَعَيِّنٌ فِي الْقَصْرِ، فَلَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ) فَتَكُونُ الرُّخْصَةُ رُخْصَةَ إسْقَاطٍ. (أَمَّا صَوْمُ الْمُسَافِرِ وَإِفْطَارُهُ فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَتَضَمَّنُ رِفْقًا وَمَشَقَّةً فَإِنَّ الصَّوْمَ عَلَى سَبِيلِ مُوَافَقَةِ الْمُسْلِمِينَ أَسْهَلُ وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ أَشَقُّ فَالتَّخْيِيرُ يُفِيدُ فَإِنْ قِيلَ: إكْمَالُ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ أَشَقَّ فَثَوَابُهُ أَكْمَلُ فَيُفِيدُ التَّخْيِيرَ قُلْنَا الثَّوَابُ الَّذِي يَكُونُ بِأَدَاءِ الْفَرْضِ مُسَاوٍ فِيهِمَا) (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الثَّانِي) مِنْ قِسْمَيْ مَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَوَّلًا الْمَقَاصِدُ الْأُخْرَوِيَّةُ فَيُسَمَّى رُخْصَةً وَيُقَابِلُهَا الْعَزِيمَةُ فَحُرْمَةُ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ عَلَى اللِّسَانِ عَزِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ أَصْلِيٌّ وَإِبَاحَتُهَا لِلْمُكْرَهِ رُخْصَةٌ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ أَصْلِيٍّ بَلْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ. فَإِنْ قِيلَ: الرُّخْصَةُ قَدْ تَتَّصِفُ بِالْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ وَالْوُجُوبِ وَهِيَ مِنْ أَقْسَامِ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فَيَلْزَمُ كَوْنُهَا حُكْمًا أَصْلِيًّا وَغَيْرَ أَصْلِيٍّ، وَلَا مَجَالَ لِتَغَايُرِ الِاعْتِبَارِ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لَيْسَتْ حُكْمًا أَصْلِيًّا بِشَيْءٍ مِنْ الِاعْتِبَارَاتِ. أُجِيبَ بِأَنَّ تَخْصِيصَ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَكُونُ حُكْمًا أَصْلِيًّا إنَّمَا هُوَ فِيمَا يَكُونُ بِطَرِيقِ الرُّخْصَةِ وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِمَّا تَفَرَّدَ بِهِ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى، وَهُوَ يُخَالِفُ اصْطِلَاحَ الْقَوْمِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِرَاعُ التَّقْسِيمِ الْحَاصِرِ، وَأَمَّا كَوْنُ الرُّخْصَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَقْصُودٌ أُخْرَوِيٌّ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي مَفْهُومِهِ اعْتِبَارًا أَوَّلِيًّا فَيَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ فِي عِبَارَاتِ الْقَوْمِ فِي تَفْسِيرِهَا فَفِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ: إنَّ الرُّخْصَةَ مَا شُرِعَ مِنْ الْأَحْكَامِ لِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ لَوْلَا الْعُذْرُ لَثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ وَالْعَزِيمَةُ بِخِلَافِهِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ دَلِيلَ الْحُرْمَةِ إذَا بَقِيَ مَعْمُولًا بِهِ وَكَانَ التَّخَلُّفُ عَنْهُ لِمَانِعٍ طَارِئٍ فِي حَقِّ الْمُكَلَّفِ لَوْلَاهُ لَثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّهِ، فَهُوَ الرُّخْصَةُ فَخَرَجَ الْحُكْمُ بِحِلِّ الشَّيْءِ ابْتِدَاءً، أَوْ نَسْخًا لِتَحْرِيمٍ، أَوْ تَخْصِيصًا مِنْ نَصٍّ مُحَرِّمٍ. وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ رحمه الله تعالى أَنَّ الْعَزِيمَةَ اسْمٌ لِمَا هُوَ أَصْلٌ مِنْ الْأَحْكَامِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْعَوَارِضِ. وَالرُّخْصَةُ اسْمٌ لَمَا بُنِيَ عَلَى أَعْذَارِ الْعِبَادِ، وَهُوَ مَا يُسْتَبَاحُ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ وَذَكَرَ أَبُو الْيُسْرِ أَنَّ الرُّخْصَةَ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِالْفِعْلِ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ، وَحُرْمَةُ الْفِعْلِ وَتَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ بِتَرْكِ الْفِعْلِ مَعَ وُجُودِ الْمُوجِبِ وَالْوُجُوبِ وَفِي الْمِيزَانِ أَنَّ الرُّخْصَةَ اسْمٌ لِمَا تَغَيَّرَ عَنْ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ إلَى تَخْفِيفٍ وَيُسْرٍ تَرَفُّهًا وَتَوْسِعَةً عَلَى أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ وَقَالَ الْعَزِيمَةُ مَا لَزِمَ الْعِبَادَ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّخْصَةُ مَا وَسِعَ لِلْمُكَلَّفِ فِعْلُهُ بِعُذْرٍ مَعَ قِيَامِ الْمُحَرِّمِ. (قَوْلُهُ: وَهِيَ إمَّا فَرْضٌ) حَصَرَ الْعَزِيمَةَ فِي الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَالسُّنَّةِ وَالنَّفَلِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت