أما بعد، فإنا نحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، إله إبراهيم وآل عمران. ونسأله أن يصلي على عباده المصطفين، وأنبيائه المرسلين. ويخص بصلاته وسلامه أولى العزم؛ الذين هم سادة الخلق وقادة الأمم. الذين خصوا بأخذ الميثاق وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد.
كما سماهم الله تعالى في كتابه، فقال عز وجل: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] .
وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [الأحزاب: 7] {لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الأحزاب: 8] ونسأله أن يخص بشرائف صلاته وسلامه خاتم المرسلين وخطيبهم إذا وفدوا على ربهم، وإمامهم إذا اجتمعوا، شفيع الخلائق يوم القيامة، نبي الرحمة ونبي الملحمة، الجامع محاسن الأنبياء، الذي بشر به عبد الله وروحه وكلمته التي ألقاها إلى الصديقة، الطاهرة، البتول، التي لم يمسها بشر قط [مريم ابنة عمران] .
ذلك مسيح الهدى: عيسى ابن مريم الوجيه في الدنيا والآخرة، المقرب عند الله، المنعوت بنعوت الجمال والرحمة، لما أنجر بنو إسرائيل فيما بعث به موسى من نعت الجلال والشدة - وبعث الخاتم الجامع بنعت الكمال، المشتمل على الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين. والمحتوي على محاسن الشرائع والمناهج التي كانت قبله صلى الله عليهم وسلم أجمعين. وعلى من تبعهم إلى يوم القيامة.
أما بعد: فإن الله خلق الخلائق بقدرته وأظهر فيهم آثار مشيئته وحكمته ورحمته وجعل المقصود الذي خلقوا له فيما أمرهم به هو عبادته. وأصل ذلك هو معرفته ومحبته.
فمن هداه الله صراطه المستقيم آتاه رحمة وعلمًا ومعرفة بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ورزقه الإنابة إليه، والوجل لذكره، والخشوع له والتأله له: فحن إليه حنين النسور إلى أوكارها. وكلف بحبه تكلف الصبي بأمه، لا يعبد إلا إياه رغبة ورهبة ومحبة وأخلص دينه لمن الدنيا والآخرة له رب الأولين والآخرين. مالك يوم الدين. خالق ما تبصرون وما لا تبصرون، عالم الغيب والشهادة، الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون.
لم يتخذ من دونه أندادًا، كالذين اتخذوا من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله ولم يشرك بربه أحدًا، ولم يتخذ من دونه وليًا ولا شفيعًا، لا ملكًا، ولا نبيًا، ولا صديقًا.
فإن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا لقد أحصاهم وعدهم عدًا وكلهم آتيه يوم القيامة فردًا.
فهنالك اجتباه مولاه واصطفاه وآتاه رشده. وهداه لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. وذلك أن الناس كانوا بعد آدم عليه السلام، وقبل نوح عليه السلام على التوحيد والإخلاص كما كان عليه أبوهم آدم أبو البشر - عليه السلام - حتى ابتدعوا الشرك وعبادة الأوثان - بدعة من تلقاء أنفسهم - لم ينزل الله بها كتابًا ولا أرسل بها رسولا، بشبهات زينها الشيطان من جهة المقاييس الفاسدة. والفلسفة الحائدة.