حاربوه فالويل كل الويل له والملك لا بد أن يكون سمع السير وبلغه أنه ما زال في المسلمين النفر القليل منهم من يغلب أضعافا مضاعفة من النصارى وغيرهم فكيف إذا كانوا أضعافهم وقد بلغه الملاحم المشهورة في قديم الدهر وحديثه: مثل أربعين ألفا يغلبون من النصارى أكثر من أربعمائة ألف أكثرهم فارس. وما زال المرابطون بالثغور مع قلتهم واشتغال ملوك الإسلام عنهم يدخلون بلاد النصارى فكيف وقد من الله تعالى على المسلمين باجتماع كلمتهم وكثرة جيوشهم وبأس مقدميهم وعلو هممهم ورغبتهم فيما يقرب إلى الله تعالى واعتقادهم أن الجهاد أفضل الأعمال المطوعة وتصديقهم بما وعدهم نبيهم حيث قال: (يعطى الشهيد ست خصال: يغفر له بأول قطرة من دمه. ويرى مقعده في الجنة. ويكسى حلة الإيمان. ويزوج باثنتين وسبعين من الحور العين. ويوقى فتنة القبر. ويؤمن من الفزع الأكبر يوم القيامة) . ثم إن في بلادهم من النصارى أضعاف ما عندكم من المسلمين، فإن فيهم من رءوس النصارى من ليس في البحر مثلهم إلا قليل. وأما أسراء المسلمين فليس فيهم من يحتاج إليه المسلمون ولا من ينتفعون به وإنما نسعى في تخليصهم لأجل الله تعالى رحمة لهم وتقربا إليه يوم يجزيالله المصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا واستعطف قلوبنا إليه، فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير وميله إلى العلم والدين وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه وطلب الخير لهم، فإن أمة محمد خير أمة أخرجت للناس يريدون للخلق خير الدنيا والآخرة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويدعونهم إلى الله ويعينونهم على مصالح دينهم ودنياهم. وإن كان الملك قد بلغه بعض الأخبار التي فيها طعن على بعضهم أو طعن على دينهم، فإما أن يكون المخبر كاذبا أو ما فهم التأويل وكيف صورة الحال. وإن كان صادقا عن بعضهم بنوع من المعاصي والفواحش والظلم: فهذا لا بد منه في كل أمة، بل الذي يوجد في المسلمين من الشر أقل مما في غيرهم بكثير والذي فيهم من الخير لا يوجد مثله في غيرهم. والملك وكل عاقل يعرف أن أكثر النصارى خارجون عن وصايا المسيح والحواريين ورسائل بولص وغيره من القديسين، وإن كان أكثر ما معهم من النصرانية شرب الخمر وأكل الخنزير وتعظيم الصليب ونواميس مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان وأن بعضهم يستحل بعض ما حرمته الشريعة النصرانية.
هذا فيما يقرون له. وأمامخالفتهم لما لا يقرون به فكلهم داخل في ذلك. بل قد ثبت عندنا عن الصادق المصدوق رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن المسيح عيسى ابن مريم ينزل عندنا بالمنارة البيضاء في دمشق واضعًا كفيه على منكبي ملكين فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ولا يقبل من أحد إلا الإسلام ويقتل مسيح الضلالة الأعور الدجال الذي يتبعه اليهود ويسلط المسلمون على اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله. وينتقم الله للمسيح ابن مريم مسيح الهدى من اليهود ما آذوه وكذبوه لما بعث إليهم) .
وأما ما عندنا في أمر النصارى وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم وتسليطه عليهم: فهذا مما لا أخبر به الملك، لئلا يضيق صدره، ولكن الذي أنصحه به أن كل من أسلف إلى المسلمين خيرا ومال إليهم كانت عاقبته معهم حسنة بحسب ما فعله من الخير، فإن الله يقول: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [الزلزلة: 7] {وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 8] .