فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 537

لهم، وقدر الله بهم، فقد علم الله من أمرهم وكفرهم ما يؤهلهم للحرمان في الآخرة؛ فتركهم يسارعون في الكفر إلى نهايته! وقد كان الهدى مبذولا لهم، فآثروا عليه الكفر؛ فتركوا يسارعون في الكفر. وأملي لهم ليزدادوا إثما مع الإملاء في الزمن والإملاء في الرخاء. فهذا الإمهال والإملاء إنما هو وبال عليهم وبلاء. . ويختم الاستعراض بكشف حكمة الله وتدبيره من وراء الأحداث كلها: من وراء ابتلاء المؤمنين وإمهال الكافرين. إنها تمييز الخبيث من الطيب، بالاختبار والابتلاء، فقد كان أمر القلوب غيبا مما يستأثر الله به، ولا يطلع الناس عليه، فشاء سبحانه أن يكشف هذا الغيب بالصورة المناسبة للبشر، وبالوسيلة التي يدركها البشر. . فكان الابتلاء للمؤمنين والإمهال للكافرين، ليتكشف المخبوء في القلوب، ويتميز الخبيث من الطيب؛ ويتبين المؤمنون بالله ورسله على وجه القطع واليقين:

ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر، إنهم لن يضروا الله شيئا، يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة، ولهم عذاب عظيم. إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا، ولهم عذاب أليم. ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، ولهم عذاب مهين. ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه، حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب، ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء، فآمنوا بالله ورسله، وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم. .

إن هذا الختام هو أنسب ختام لاستعراض الغزوة التي أصيب فيها المسلمون هذه الإصابة؛ والتي رجع منها المشركون بالنصر والغلبة. . فهناك دائما تلك الشبهة الكاذبة التي تحيك في بعض الصدور؛ أو الأمنية العاتبة التي تهمس في بعض القلوب، أمام المعارك التي تنشب بين الحق والباطل. ثم يعود فيها الحق بمثل هذه الإصابة، ويعود منها الباطل ذا صولة وجولة!

هناك دائما الشبهة الكاذبة، أو الأمنية العاتبة: لماذا يا رب؟ لماذا يصاب الحق وينجو الباطل؟ لماذا يبتلى أهل الحق وينجو أهل الباطل؟ ولماذا لا ينتصر الحق كلما التقى مع الباطل، ويعود بالغلبة والغنيمة؟ أليس هو الحق الذي ينبغي أن ينتصر؟ وفيم تكون للباطل هذه الصولة؟ وفيم يعود الباطل من صدامه مع الحق بهذه النتيجة، وفيها فتنة للقلوب وهزة؟!

ولقد وقع بالفعل أن قال المسلمون يوم أحد في دهشة واستغراب:"أنى هذا؟!". .

ففي هذا المقطع الختامي يجيء الجواب الأخير، والبيان الأخير. ويريح الله القلوب المتعبة، ويجلو كل خاطرة تتدسس إلى القلوب من هذه الناحية، ويبين سنته وقدره وتدبيره في الأمر كله: أمس واليوم وغدا. وحيثما التقى الحق والباطل في معركة فانتهت بمثل هذه النهاية: إن ذهاب الباطل ناجيا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشا فترة من الزمان، ليس معناه أن الله تاركه، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب، أو بحيث يضر الحق ضررا باقيا قاضيا. .

وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان، ليس معناه إن الله مجافيه أو ناسيه! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه. .

كلا. إنما هي حكمة وتدبير. . هنا وهناك. . يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق؛ وليرتكب أبشع الآثام، وليحمل أثقل الأوزار، ولينال أشد العذاب باستحقاق!. . ويبتلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت