فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 537

وإفاضة الرحمة. . والذين يتناولهم هذا النص ابتداء، كان لديهم فرصة استغفار الرسول [صلى الله عليه وسلم] وقد انقضت فرصتها. وبقي باب الله مفتوحا لا يغلق. ووعده قائما لا ينقض. فمن أراد فليقدم. ومن عزم فليتقدم. .

وأخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم. إذ يقسم الله - سبحانه - بذاته العلية، أنه لا يؤمن مؤمن، حتى يحكم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] في أمره كله. ثم يمضي راضيا بحكمه، مسلما بقضائه. ليس في صدره حرج منه، ولا في نفسه تلجلج في قبوله:

فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت، ويسلموا تسليمًا. .

ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحد الإسلام. يقرره الله سبحانه بنفسه. ويقسم عليه بذاته. فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحد الإسلام، ولا تأويل لمؤول.

اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام. . وهي أن هذا القول مرهون بزمان، وموقوف على طائفة من الناس! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا؛ ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا. فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام؛ جاءت في صورة قسم مؤكد؛ مطلقة من كل قيد. . وليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] هو تحكيم شخصه. إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه. وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته [صلى الله عليه وسلم] وذلك قول أشد المرتدين ارتدادا على عهد أبى بكر - رضي الله عنه - وهو الذي قاتلهم عليه قتال المرتدين. بل قاتلهم على ما هو دونه بكثير. وهو مجرد عدم الطاعة لله ورسوله، في حكم الزكاة؛ وعدم قبول حكم رسول الله فيها، بعد الوفاة!

وإذا كان يكفي لإثبات"الإسلام"أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله. . فانه لا يكفي في"الإيمان"هذا، ما لم يصحبه الرضى النفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان، في اطمئنان!

هذا هو الإسلام. . وهذا هو الإيمان. . فلتنظر نفس أين هي من الإسلام؛ وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان!

ومن هنا نقول:

إن هؤلاء الذين يفعلون ذلك هم خونة لدينهم ووطنهم ولكل القيم فكيف يسلمون مسلما إلى عدوه؟

والله تعالى قد حرم علينا موالاة أعداء الله تعالى واعتبر أن من يتولاهم فهو مثلهم قال تعالى في سورة المائدة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51} فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَاتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ {52} ؟

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

فهذا النص عن إتخاذ اليهود والنصارى أولياء. وهذا التحذير - بل التهديد - بأن من يتولهم فهو منهم. وهذه الإشارة إلى أن الذين في قلوبهم مرض يوالونهم، ويحتجون بأنهم يخشون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت