فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحى منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى بقى للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان، وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان، من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان، ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية، وكفر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة الكبرى.
فإن الناس تفرقوا فيها ما بين شقى وسعيد، كما يتفرقون كذلك /فى اليوم الموعود، وفر الرجل فيها من أخيه وأمه وأبيه؛ إذ كان لكل امرئ منهم شأن يغنيه. وكان من الناس من أقصى همته النجاة بنفسه، لا يلوى على ماله ولا ولده ولا عرسه. كما أن منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال. وآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال. وآخر منزلته منزلة الشفيع المطاع. وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع. ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعمل الصالح، والبر والتقوى. وبليت فيها السرائر. وظهرت الخبايا التى كانت تكنها الضمائر. وتبين أن البهرج من الأقوال والأعمال يخون صاحبه أحوج ما كان إليه في المآل. وذم سادته وكبراءه من أطاعهم فأضلوه السبيلا. كما حمد ربه من صدق في إيمانه فاتخذ مع الرسول سبيلًا. وبان صدق ما جاء به الآثار النبوية، من الأخبار بما يكون. وواطأتها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون، كما تواطأت عليه المبشرات التى أريها المؤمنون. وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة. حيث تحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين. وآخر خاذل له. وآخر خارج عن شريعة الإسلام.
وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور. وآخر قد غره بالله الغرور. وكان هذا الامتحان تمييزًا من الله وتقسيمًا؛ {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 24] .
ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة: أن الله ـ تعالى ـ بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرع له الجهاد إباحة له أولًا، ثم إيجابًا له ثانيًا لما هاجر إلى المدينة، وصار له فيها أنصار ينصرون الله ورسوله، فغزا بنفسه صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بدار الهجرة، وهو نحو عشر سنين؛ بضعًا وعشرين غزوة. أولها غزوة بدر وآخرها غزوة تبوك. أنزل الله في أول مغازيه [سورة الأنفال] وفى آخرها [سورة براءة] . وجمع بينهما في المصحف؛ لتشابه أول الأمر وآخره، كما قال أمير المؤمنين عثمان لما سئل عن القران بين السورتين من غير فصل بالبسملة.
وكان القتال منها في تسع غزوات.
فأول غزوات القتال بدر، وآخرها حنين، والطائف. وأنزل الله فيها ملائكته، كما أخبر به القرآن؛ ولهذا صار الناس يجمعون بينهما في القول، وإن تباعد ما بين الغزوتين مكانًا وزمانًا؛ فإن بدرًا كانت في رمضان، في السنة الثانية من الهجرة، ما بين المدينة ومكة، شامى مكة، وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة. وحنين واد قريب من الطائف، شرقى مكة. ثم قسم النبى صلى الله عليه وسلم / غنائمها بالجِعْرَانة واعتمر من الجعرانة. ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهل الطائف زحفًا وصفوفًا وإنما قاتلوه من وراء جدار. فآخر غزوة كان فيها القتال زحفًا واصطفافًا هى غزوة حنين. وكانت غزوة بدر أول غزوة ظهر فيها