فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 537

النزع؛ فإنه يخاف ويذهل عقله، ويشخص بصره ولا يطرف. فكذلك هؤلاء؛ لأنهم يخافون القتل.

{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب: 19] ، ويقال في اللغة: / [صلقوكم] وهو رفع الصوت بالكلام المؤذى. ومنه: [الصالقة] وهى التى ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: صلقه، وسلقه ـ وقد قرأ طائفة من السلف بها، لكنها خارجة عن المصحف ـ إذا خاطبه خطابًا شديدًا قويًا. ويقال: خطيب مسلاق: إذا كان بليغًا في خطبته، لكن الشدة هنا في الشر لا في الخير. كما قال: {بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} [الأحزاب: 19] . وهذا السلق بالألسنة الحادة، يكون بوجوه:

تارة يقول المنافقون للمؤمنين: هذا الذى جرى علينا بشؤمكم، فإنكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم؛ فإن هذه مقالة المنافقين للمؤمنين من الصحابة.

وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، والثبات بهذا الثغر إلى هذا الوقت، وإلا فلو كنا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا.

وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم، كما قال تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 49] .

وتارة يقولون: أنتم مجانين، لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا /أنفسكم والناس معكم.

وتارة يقولون أنواعًا من الكلام المؤذى الشديد. وهم مع ذلك أشحة على الخير، أى: حراص على الغنيمة والمال الذى قد حصل لكم. قال قتادة: إن كان وقت قسمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم. يقولون: أعطونا، فلستم بأحق بها منا. فأما عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحق. وأما عند الغنيمة فأشح قوم. وقيل: أشحة على الخير، أى: بخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم.

وأصل الشح: شدة الحرص الذى يتولد عنه البخل والظلم، من منع الحق، وأخذ الباطل. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: (إياكم والشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمَرَهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) . فهؤلاء أشحاء على إخوانهم، أى: بخلاء عليهم، وأشحاء على الخير، أى: حراص عليه. فلا ينفقونه، كما قال: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: 8] ، ثم قال تعالى: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِن يَاتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا} [الأحزاب: 20] .

فوصفهم بثلاثة أوصاف:

/أحدها: أنهم لفرط خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد. وهذه حال الجبان الذى في قلبه مرض؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن.

الوصف الثانى: أن الأحزاب إذا جاؤوا تمنوا ألا يكونوا بينكم، بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم: إيش خبر المدينة؟ وإيش جرى للناس؟

والوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا ـ وهم فيكم ـ لم يقاتلوا إلا قليلًا. وهذه الصفات الثلاث منطبقة على كثير من الناس في هذه الغزوة كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه منهم من خبرهم.

ثم قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ، فأخبر ـ سبحانه ـ أن الذين يبتلون بالعدو، كما ابتلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت