طَالَتْ مُدَّتُهُ، فَقَدْ عَادَتْ عَلَى الْعَدُوِّ أَهْلَكَهُ اللَّهُ مَصْلَحَتُهُ، وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ مَفْسَدَتُهُ، وَإِنْ تَخَيَّلْت فِيهِ مَصْلَحَةً فَهِيَ لِلْعَدُوِّ أَعْظَمُ مِنْ وُجُوهٍ مُكَمِّلَةٍ، فَإِنَّهُ يَتَحَصَّنُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَيُكْثِرُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ وَالْعُدَّةِ فَيَتَعَذَّرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الِاسْتِنْقَاذُ وَيَصْعُبُ عَلَيْهِمْ تَحْصِيلُ الْمُرَادِ بَعْدَ تَيَسُّرِهِ لَوْ سَاعَدَ التَّوْفِيقُ وَلَكِنَّ الْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ الْمَسْئُولُ فِي هِدَايَتِهِ إلَى سَوَاءِ الطَّرِيقِ فَمَا وَقَعَ مِنْ الصُّلْحِ هُوَ مَفْسَدَةٌ عَلَى الْإِسْلَامِ فَلَا يَكُونُ لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إبْرَامٌ فَالصُّلْحُ الْمَذْكُورُ يَجِبُ نَقْضُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمُقْتَضَى الشَّرْعِ غَيْرُ مُنْبَرِمٍ فَحُكْمُهُ غَيْرُ لَازِمٍ عِنْدَ كُلِّ مَنْ حَقَّقَ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ قَالَ فِي التَّلْقِينِ وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْجِهَادِ لِهُدْنَةٍ إلَّا مِنْ عُذْرٍ لَا يُقَالُ الصُّلْحُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ دَاخِلٌ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ. وَالصُّلْحُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ عَلَى أَنَّهُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ مِنْ إمَامٍ فَلَا سَبِيلَ إلَى نَقْضِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ وَقَعَ ذَلِكَ عَقِبَ الدَّاهِيَةِ الدَّهْيَاءِ وَهِيَ انْتِهَازُ الْعَدُوِّ دَمَّرَهُ اللَّهُ الْفُرْصَةَ فِي بِلَادِ الْمَغْرِبِ مَعَ تَوَفُّرِ الْإِسْلَامِ وَالْعَدَدِ وَالْعَدُوُّ لَيْسَ لَهُ فِيهَا مَدَدٌ وَالْمُسْلِمُونَ لَا يَقْصِرُونَ عَنْ ضِعْفِ الْعَدُوِّ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ عَدُوُّهُمْ ضِعْفَهُمْ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الصُّلْحُ لِخَوْفِ اسْتِئْصَالِ الْكَافِرِينَ بَقِيَّةَ الْمُسْلِمِينَ. وَإِمَّا لِلْخَوْفِ مِنْ الْمُحَارَبِينَ وَالْأَوَّلُ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَتِهِ الْفَرْضَ وَالثَّانِي كَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ الْمُحَارِبِ بِالْفَرْضِ مَعَ إمْكَانِ انْقِسَامِ الْعَدَدِ وَاتِّصَالِ الْمُسْلِمِينَ بِحُصُولِ الْمَدَدِ فَالْوَاجِبُ الْقِتَالُ، وَإِنْ كَانَ الْعَدُوُّ ذَا جَلَدٍ وَمَعَهُ كَثْرَةُ الْعَدَدِ فَلَا يَدْخُلُ الصُّلْحُ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي عَبْدِ الْوَهَّابِ وَحُكْمُ الْجِهَادِ يُنْتَقَضُ إذَا تُبَيِّنَ فِيهِ الْخَطَأُ كَمَا نُقِلَ عَنْ سَحْنُونَ وَطُولُ الْمُدَّةِ فِي الصُّلْحِ الْمَذْكُورِ خَطَأٌ فَيُنْتَقَضُ الصُّلْحُ وَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ الْمَذْكُورَ فِيهِ تَرْكُ الْجِهَادِ الْمُتَعَيَّنِ وَتَرْكُ الْجِهَادِ لِيُسَكِّنَّهُ مُمْتَنِعٌ فَالصُّلْحُ الْمَذْكُورُ مُمْتَنَع وَكُلُّ مُمْتَنِع غَيْرُ لَازِمٍ وَالْجِهَادُ فِي الْمَوْضُوعِ الْمَذْكُورِ لَمْ يَزَلْ مُتَعَيَّنًا مِنْ زَمَنِ الْوَخْزَةِ إلَى الْآنِ وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إنْ طَمِعَ قَوْمٌ فِي فُرْصَةٍ فِي عَدُوٍّ قُرْبَهُمْ وَخَشُوا إنْ أَعْلَمُوا الْإِمَامَ يَمْنَعُهُمْ فَوَاسِعٌ خُرُوجُهُمْ وَأَحَبَّ إلَى أَنْ يَسْتَاذِنُوهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ سَمِعْت أَهْلَ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إنْ نَهَى الْإِمَامُ عَنْ الْقِتَالِ لِمَصْلَحَةٍ حُرِّمَتْ مُخَالَفَتُهُ إلَّا أَنْ يَزْحَمَهُمْ الْعَدُوُّ وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ طَاعَةُ الْإِمَامِ لَازِمَةٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَامُرْ بِمَعْصِيَةٍ وَمِنْ الْمَعْصِيَةِ النَّهْيُ عَنْ الْجِهَادِ الْمُتَعَيِّنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.