فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 537

تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} الْآيَاتِ. فَالطَّرِيقُ الَّتِي اسْتَخْرَجَ بِهَا الْكِتَابَ مِنْ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ التَّهْدِيدُ وَالْإِرْعَابُ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْحُكُومَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ دَفَعَا إلَى امْرَأَةٍ مِائَةَ دِينَارٍ وَدِيعَةً، وَقَالَا لَهَا: لَا تَدْفَعُهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَلَبِثَا حَوْلًا وَجَاءَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ: إنَّ صَاحِبِي قَدْ مَاتَ فَادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ، فَأَبَتْ وَقَالَتْ: إنَّكُمَا قُلْتُمَا لِي: لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ، فَشَفَعَ إلَيْهَا بِأَهْلِهَا وَجِيرَانِهَا وَتَلَطَّفَ حَتَّى دَفَعَتْهَا إلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: ادْفَعِي إلَيَّ الدَّنَانِيرَ، فَقَالَتْ: إنَّ صَاحِبَك جَاءَ وَادَّعَى أَنَّك قَدْ مِتّ وَدَفَعْتهَا إلَيْهِ، فَتَرَافَعَا إلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلِمَ أَنَّهُمَا قَدْ مَكَرَا بِهَا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُمَا لَهَا لَا تَدْفَعِيهَا إلَى وَاحِدٍ مِنَّا دُونَ صَاحِبِهِ؟ فَقَالَ: فَاذْهَبْ فَجِئْ بِصَاحِبِك حَتَّى تَدْفَعَهَا إلَيْكُمَا، فَذَهَبَ وَلَمْ يَرْجِعْ. وَمِنْ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضًا، وَذَلِكَ أَنَّ إنْسَانًا شَكَا إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَفَرًا فَقَالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ خَرَجُوا مَعَ أَبِي فِي سَفَرٍ فَعَادُوا وَلَمْ يَعُدْ أَبِي، فَسَأَلْتهمْ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَ، فَسَأَلْتهمْ عَنْ مَالِهِ فَقَالُوا: مَا تَرَكَ شَيْئًا، وَكَانَ مَعَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، فَارْتَفَعْنَا إلَى شُرَيْحٍ الْقَاضِي فَاسْتَحْلَفَهُمْ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ، فَدَعَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالشُّرَطِ فَوَكَّلَ بِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ، وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لَا يُمَكِّنُوا بَعْضَهُمْ يَدْنُوَا مِنْ بَعْضٍ، وَلَا يُمَكِّنُوا أَحَدًا يُكَلِّمُهُمْ، وَدَعَا كَاتِبَهُ، وَدَعَا أَحَدَهُمْ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ أَبِي هَذَا الْفَتَى، فِي أَيِّ يَوْمٍ خَرَجَ مَعَكُمْ، وَفِي أَيِّ مَنْزِلٍ نَزَلَ مَعَكُمْ، وَكَيْفَ كَانَ يَسِيرُ مَعَكُمْ، وَبِأَيِّ عِلَّةٍ مَاتَ، وَكَيْفَ أُصِيبَ بِمَالِهِ، وَسَأَلَهُ عَمَّنْ غَسَّلَهُ وَدَفَنَهُ وَمَنْ تَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَأَيْنَ دُفِنَ، وَالْكَاتِبُ يَكْتُبُ، ثُمَّ كَبَّرَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ مَعَهُ وَالْمُتَّهَمُونَ لَا عِلْمَ لَهُمْ إلَّا أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ قَدْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ بَعْدَ أَنْ غَيَّبَ الْأَوَّلَ عَنْ مَجْلِسِهِ فَسَأَلَهُ كَمَا سَأَلَ صَاحِبَهُ، ثُمَّ غَيَّبَهُ وَطَلَبَ الْآخَرَ وَسَأَلَهُ حَتَّى عَرَفَ مَا عِنْدَ الْجَمِيعِ، فَوَجَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُخْبِرُ بِضِدِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ صَاحِبُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَوَّلِ فَقَالَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ قَدْ عَرَفْت غَدْرَك وَكَذِبَك بِمَا سَمِعْت مِنْ أَصْحَابِك، وَمَا يُنْجِيك مِنْ الْعُقُوبَةِ إلَّا الصِّدْقُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ إلَى السِّجْنِ، وَكَبَّرَ وَكَبَّرَ الْحَاضِرُونَ بِتَكْبِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْصَرَ الْقَوْمُ الْحَالَ لَمْ يَشُكُّوا أَنَّ صَاحِبَهُمْ أَقَرَّ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعَا آخَرَ مِنْهُمْ فَهَدَّدَهُ، فَقَالَ: وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ كُنْت كَارِهًا لِمَا صَنَعُوا، ثُمَّ دَعَا الْجَمِيعَ فَأَقَرُّوا بِالْقِصَّةِ، وَاسْتَدْعَى الْأَوَّلَ وَقِيلَ لَهُ: أَقَرَّ أَصْحَابُك وَلَا يُنْجِيك سِوَى الصِّدْقُ، فَأَقَرَّ بِمِثْلِ مَا أَقَرَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَأَغْرَمَهُمْ الْمَالَ وَأَقَادَ مِنْهُمْ بِالْقَتْلِ، وَهَذَا مِنْ السِّيَاسَةِ الْحَسَنَةِ، وَسَيَاتِي حُكْمُ تَفْرِيقِ الشُّهُودِ إذَا اسْتَرَابَ الْقَاضِي مِنْهُمْ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا ضَرَبَ رَجُلًا عَلَى رَاسِهِ فَادَّعَى الْمَضْرُوبُ أَنَّهُ خَرِسَ، وَرُفِعَتْ الْقَضِيَّةُ إلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ: يُخْرَجُ لِسَانُهُ وَيُنْخَسُ اللَّقَطَةَ فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ أَحْمَرَ فَهُوَ صَحِيحُ اللِّسَانِ، وَإِنْ خَرَجَ أَسْوَدَ فَهُوَ أَخْرَسُ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قِيلَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي فِدَاءِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: يُفْدَى مِنْهُمْ مَنْ كَانَتْ جِرَاحُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ دُونَ مَنْ كَانَتْ وَرَاءَهُ فَإِنَّهُ فَارٌّ. وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَضَى فِي مَوْلُودٍ لَهُ رَاسَانِ وَصَدْرَانِ وَحِقْوٌ وَاحِدٌ، فَقِيلَ لَهُ: أَيُوَرَّثُ مِيرَاثَ اثْنَيْنِ أَوْ مِيرَاثَ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: يُتْرَكُ حَتَّى يَنَامَ ثُمَّ يُصَاحُ، فَإِنْ انْتَبَهَا جَمِيعًا كَانَ لَهُ مِيرَاثٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ انْتَبَهَ وَاحِدٌ وَبَقِيَ وَاحِدٌ كَانَ لَهُ مِيرَاثُ اثْنَيْنِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ سِيَاسَةِ الْخُلَفَاءِ وَالْمُلُوكِ وَالْقُضَاةِ، وَاسْتِخْرَاجِهِمْ الْحُقُوقَ بِالطُّرُقِ السِّيَاسِيَّةِ فَيَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ.

وقال الجصاص:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت