فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 537

الْأَعْدَاءِ وَالسُّكْنَى بَيْنَ أَظْهُرِ الْبُعَدَاءِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ الْحَاصِلِ مِنْ هَذَيْنِ الْخَبِيثَيْنِ عَزْمٌ، وَهُوَ التَّصْمِيمُ وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى الْفِعْلِ وَهُمَا لَمْ يَفْعَلَا. وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَئِمَّةُ الْأَشَاعِرَةُ فِي الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ فَنَقَلَ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ رحمه الله تعالى عَنْ كَثِيرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِحَدِيثٍ {إذَا اصْطَفَّ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ فَأَثِمُوا بِالْحِرْصِ} ، فَأُجِيبُ بِأَنَّ اللِّقَاءَ وَإِشْهَارَهُ السِّلَاحَ فِعْلٌ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحِرْصِ وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ يَقُولُ: الْقَاضِي قَالَ عَامَّةُ السَّلَفِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِعَمَلِ الْقَلْبِ وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَى عَدَمِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الْهَمِّ قِيلَ لِلثَّوْرِيِّ أَنُؤَاخَذُ بِالْهِمَّةِ قَالَ إذَا كَانَتْ عَزْمًا قَالُوا: إنَّمَا يُؤَاخَذُ بِسَيِّئَةِ الْعَزْمِ؛ لِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ كَسَيِّئَةِ الْمَعْزُومِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُفْعَلْ، فَإِنْ فُعِلَتْ كُتِبَتْ سَيِّئَةً ثَانِيَةً، وَإِنْ كُفَّ عَنْهَا كُتِبَتْ حَسَنَةً لِحَدِيثِ {إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي} وَقَالَ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ تَظَاهَرَتْ النُّصُوصُ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا} وقوله تعالى {اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ} ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى حُرْمَةِ الْحَسَدِ وَاحْتِقَارِ النَّاسِ وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ ا هـ. وَاعْتَرَضَ هَذَا الْأَشْيَاخُ بِأَنَّ الْعَزْمَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مَا لَهُ صُورَةٌ فِي الْخَارِجِ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَمَّا مَا لَا صُورَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ كَالِاعْتِقَادَاتِ وَضَغَائِنِ النَّفْسِ مِنْ الْحَسَدِ وَنَحْوِهِ فَلَيْسَ مِنْ صُوَرِ مَحَلِّ الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ فِي نَفْسِهِ بِهِ وَقَعَ التَّكْلِيفُ فَلَا يُحْتَجُّ بِالْإِجْمَاعِ الَّذِي فِيهِ وَلْيَكُنْ هَذَا آخِرَ مَا ظَهَرَ كَتْبُهُ مِنْ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ الْمُفِيدِ الْمُوَجَّهِ مِنْ قِبَلِ الْفَقِيهِ الْمُعَظَّمِ الْخَطِيبِ الْفَاضِلِ الْقُدْوَةِ الصَّالِحِ الْبَقِيَّةِ وَالْجُمْلَةِ الْفَاضِلَةِ النَّقِيَّةِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُطْبَةَ أَدَامَ اللَّهُ تَعَالَى سُمُوَّهُ وَرُقِيَّهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجَمَ هَذَا الْجَوَابُ وَيُسَمَّى بِأَسْنَى الْمَتَاجِرِ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَنْ غَلَبَ عَلَى وَطَنِهِ النَّصَارَى، وَلَمْ يُهَاجِرْ وَمَا يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَالزَّوَاجِرِ وَاَللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يُنَفِّعَ بِهِ وَيُضَاعِفَ الْأَجْرَ بِسَبَبِهِ، قَالَهُ وَخَطَّهُ الْعَبْدُ الْمُسْتَغْفِرُ الْفَقِيرُ الْمُسْلِمُ عُبَيْدُ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَنْشَرِيسِيُّ وَفَقَّهَ اللَّهُ تَعَالَى، وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ كَتْبِهِ يَوْمَ الْأَحَدِ التَّاسِعَ عَشْرَ لِذِي الْقِعْدَةِ الْحَرَامِ عَامَ سَنَةٍ وَتِسْعِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ عَرَّفَنَا اللَّهُ خَيْرَهُ ا هـ.

وَنَصُّ السُّؤَالِ الْمُجَابِ عَنْهُ بِهَذَا الْجَوَابِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ جَوَابُكُمْ يَا سَيِّدِي رضي الله تعالى عنكم وَمَتَّعَ الْمُسْلِمِينَ بِحَيَاتِكُمْ فِي نَازِلَةٍ، وَهِيَ أَنَّ قَوْمًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَنْدَلُسِيِّينَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ الْأَنْدَلُسِ وَتَرَكُوا هُنَالِكَ الدُّورَ وَالْأَرْضِينَ وَالْجَنَّاتِ وَالْكُرُومَاتِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأُصُولِ وَبَذَلُوا عَلَى ذَلِكَ زِيَادَةً كَثِيرَةً مِنْ نَاضِّ الْمَالِ وَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِ الْمِلَّةِ الْكَافِرَةِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ فَرُّوا إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِإِيمَانِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَمَا بَقِيَ بِأَيْدِيهِمْ أَوْ بِأَيْدِي بَعْضِهِمْ مِنْ الْأَمْوَالِ وَاسْتَقَرُّوا بِحَمْدِ اللَّهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ تَحْتَ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَحُكْمِ الذِّمَّةِ الْمُسْلِمَةِ نَدِمُوا عَلَى الْهِجْرَةِ بَعْدَ حُضُورِهِمْ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَسَخِطُوا وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ وَجَدُوا الْحَالَ عَلَيْهِمْ ضَيِّقَةً، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا بِدَارِ الْإِسْلَامِ الَّتِي هِيَ الْمَغْرِبُ هَذِهِ صَانَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَحَرَسَ أَوْطَانَهَا وَنَصَرَ سُلْطَانَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّسَبُّبِ فِي طَلَبِ أَنْوَاعِ الْمَعَاشِ عَلَى الْجُمْلَةِ رِفْقًا وَلَا يُسْرًا وَلَا مُرْتَفِقًا وَلَا إلَى التَّصَرُّفِ فِي الْأَقْطَارِ أَمْنًا لَائِقًا وَصَرَّحُوا فِي هَذَا الْمَعْنَى بِأَنْوَاعٍ مِنْ قَبِيحِ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَى ضَعْفِ دِينِهِمْ وَعَدَمِ صِحَّةِ يَقِينِهِمْ فِي مُعْتَقَدِهِمْ، وَأَنَّ هَجَرْتهمْ لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا زَعَمُوا أَنَّهَا كَانَتْ لِدُنْيَا يُصِيبُونَهَا عَاجِلًا عِنْدَ وُصُولِهِمْ جَارِيَةً عَلَى وَفْقِ أَهْوَائِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوهَا وَفْقَ أَغْرَاضِهِمْ صَرَّحُوا بِذَمِّ دَارِ الْإِسْلَامِ وَشَانِهِ وَشَتْمِ الَّذِي كَانَ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ وَسَبِّهِ وَبِمَدْحِ دَارِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَالنَّدَمِ عَلَى مُفَارِقَتِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت