وَكَذَلِكَ الْقِيَاسُ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ الْقِيَاسِ، فَقَالَ: عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ. وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ لَا يَرَى لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ الْوَدَاعِ، وَتَنَاظَرَ فِي ذَلِكَ هُوَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: إمَّا لَا فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ، هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَجَعَ زَيْدٌ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: مَا أَرَاك إلَّا قَدْ صَدَقْت، ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِنَحْوِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَاسًا، حَتَّى زَعَمَ رَافِعٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكْنَاهَا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ.
وَقَالَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ نَهَى عَنْ الطِّيبِ قَبْلَ زِيَارَةِ الْبَيْتِ وَبَعْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِي لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: فَتَرَكَ سَالِمٌ قَوْلَ جَدِّهِ لِرِوَايَتِهَا، قُلْت: لَا كَمَا تَصْنَعُ فِرْقَةُ التَّقْلِيدِ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ لِنُعْطِيَنَّك جُمْلَةً تُغْنِيك إنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا تَدَعْ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا أَبَدًا إلَّا أَنْ يَاتِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خِلَافَهُ فَتَعْمَلَ بِمَا قُلْت لَك فِي الْأَحَادِيثِ إذَا اخْتَلَفَتْ. قَالَ الْأَصَمُّ: وَسَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَدَعُوا مَا قُلْت، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَارُودِيُّ: سَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: إذَا وَجَدْتُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خِلَافَ قَوْلِي فَخُذُوا بِالسُّنَّةِ وَدَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي أَقُولُ بِهَا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ الرَّازِيُّ: سَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كُلُّ مَسْأَلَةٍ تَكَلَّمْت فِيهَا صَحَّ الْخَبَرُ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ بِخِلَافِ مَا قُلْت فَأَنَا رَاجِعٌ عَنْهَا فِي حَيَاتِي وَبَعْدَ مَوْتِي. وَقَالَ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى: قَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا قُلْت وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَدْ قَالَ بِخِلَافِ قَوْلِي مِمَّا يَصِحُّ فَحَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوْلَى، لَا تُقَلِّدُونِي؛ وَقَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْت الْأَصَمَّ يَقُولُ: سَمِعْت الرَّبِيعَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: وَرَوَى حَدِيثًا، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: تَاخُذُ بِهَذَا يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَتَى رَوَيْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا صَحِيحًا فَلَمْ آخُذْ بِهِ فَأُشْهِدُكُمْ أَنَّ عَقْلِي قَدْ ذَهَبَ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى رُءُوسِهِمْ.
وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: سَأَلَ رَجُلٌ الشَّافِعِيَّ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَأَفْتَاهُ وَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم كَذَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَتَقُولُ بِهَذَا؟ قَالَ: أَرَأَيْت فِي وَسَطِي زُنَّارًا؟ أَتَرَانِي خَرَجْت مِنْ الْكَنِيسَةِ؟ أَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَتَقُولُ لِي: أَتَقُولُ بِهَذَا؟ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا أَقُولُ بِهِ؟
وَقَالَ الْحَاكِمُ: أَنْبَأَنِي أَبُو عَمْرُونٍ السَّمَّاكُ مُشَافَهَةً أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْجَصَّاصَ حَدَّثَهُمْ قَالَ: سَمِعْت الرَّبِيعَ بْنَ سُلَيْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ - وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ؟ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَتَقُولُ بِهَذَا؟ فَارْتَعَدَ الشَّافِعِيُّ وَاصْفَرَّ وَحَالَ لَوْنُهُ - وَقَالَ: وَيْحَكَ، أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إذَا رَوَيْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَلَمْ أَقُلْ بِهِ؟ نَعَمْ عَلَى الرَّاسِ وَالْعَيْنَيْنِ، نَعَمْ عَلَى الرَّاسِ وَالْعَيْنَيْنِ.
قَالَ: وَسَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَتَذْهَبُ عَلَيْهِ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَعْزُبُ عَنْهُ، فَمَهْمَا قُلْت مِنْ قَوْلٍ أَوْ أَصَّلْت مِنْ أَصْلٍ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خِلَافَ مَا قُلْت فَالْقَوْلُ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ قَوْلِي، وَجَعَلَ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ.
وَقَالَ الرَّبِيعُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا نَسَبَتْهُ عَامَّةٌ أَوْ نَسَبَ نَفْسَهُ إلَى عِلْمٍ يُخَالِفُ فِي أَنْ فَرَضَ اللَّهُ اتِّبَاعَ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّسْلِيمَ لِحُكْمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ بَعْدَهُ إلَّا اتِّبَاعَهُ، وَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَوْلُ رَجُلٍ قَالَ إلَّا بِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَإِنَّ مَا سِوَاهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا، وَإِنْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَعَلَى مَنْ بَعْدَنَا وَقَبْلَنَا فِي قَبُولِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم