خِيَرَتَيْنِ: بَيْنَ أَنْ يَاخُذُوا الْعَقْلَ وَبَيْنَ أَنْ يَقْتُلُوا وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ، عَنْ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الْعَرْجَاءِ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ بِخَبْلٍ يَعْنِي الْجِرَاحَ فَوَلِيُّهُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إحْدَى ثَلَاثٍ: بَيْنَ الْعَفْوِ أَوْ يَقْتَصَّ أَوْ يَاخُذَ الدِّيَةَ} . وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِمَا ذَكَرُوا لِاحْتِمَالِهَا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَخْذَ الدِّيَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} وَالْمَعْنَى فِدَاءً بِرِضَى الْأَسِيرِ. فَاكْتَفَى بِالْمَحْذُوفِ عَنْ ذِكْرِهِ لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ عِنْدَ ذِكْرِ الْمَالِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْزَامُهُ إيَّاهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ. كَذَلِكَ قَوْلُهُ: {أَوْ يَاخُذَ الدِّيَةَ} . وَقَوْلُهُ: {أَوْ يُودَى} وَكَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى غَيْرِهِ: إنْ شِئْتَ فَخُذْ دَيْنَك دَرَاهِمَ، وَإِنْ شِئْتَ دَنَانِيرَ. وَكَمَا {قَالَ عليه السلام لِبِلَالٍ حِينَ أَتَاهُ بِتَمْرٍ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنَّا نَاخُذُ الصَّاعَ مِنْهُ بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، وَلَكِنْ بِعْ تَمْرَكَ بِعَرْضٍ ثُمَّ خُذْ بِالْعَرْضِ هَذَا} ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ أَنْ يَاخُذَ التَّمْرَ بِالْعَرْضِ بِغَيْرِ رِضَى الْآخَرِ، وَيَكُونُ ذِكْرُهُ الدِّيَةَ إبَانَةً عَمَّا نَسَخَهُ اللَّهُ عَمَّا كَانَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ مِنْ امْتِنَاعِ أَخْذِ الدِّيَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ، وَبِغَيْرِ رِضَاهُ تَخْفِيفًا عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ"أَنَّ الْقِصَاصَ كَانَ فِي بَنِي إسْرَائِيلَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَخْذُ الدِّيَةِ فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ". وَيَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَخْذُ الدِّيَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَدْ رَوَى حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْهُ، عَنْ النَّبِيِّ عليه السلام وَقَالَ فِيهِ: {مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفَادِيَ} . وَالْمُفَادَاةُ إنَّمَا تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ كَالْمُقَاتَلَةِ، وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمُشَاتَمَةِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ فِي سَائِرِ الْأَخْبَارِ أَخْذُ الدِّيَةِ بِرِضَى الْقَاتِلِ. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ:"إنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْقَاتِلِ هُوَ الْقَوَدُ، وَلِلْوَلِيِّ نَقْلُهُ إلَى الدِّيَةِ"لِأَنَّ فِي جَمِيعِهَا إثْبَاتَ التَّخْيِيرِ لِلْوَلِيِّ بِنَفْسِ الْقَتْلِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ، وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْقَوَدَ لَا غَيْرُ، وَإِنَّمَا لِلْوَلِيِّ نَقْلُهُ إلَى الدِّيَةِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ كَمَا يَنْقُلُ الدَّيْنَ إلَى الْعَرْضِ، وَالْعَرْضَ إلَى الدَّيْنِ عَلَى وَجْهِ الْعِوَضِ عَنْهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ خِيَارٌ مُوجِبٌ بِنَفْسِ الْقَتْلِ بَلْ الْوَاجِبُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْقَوَدُ، وَالْقَائِلُ بِإِيجَابِ الْقَوَدِ بِالْقَتْلِ دُونَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُلَهُ الْوَلِيُّ إلَى الدِّيَةِ، مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الْآثَارِ. وَقَدْ رَوَى الْأَنْصَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ} ، وَذَلِكَ يُنَافِي كَوْنَ الْمُرَادِ بِالْكِتَابِ الْمَالَ أَوْ الْقِصَاصَ.
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ:"هِيَ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ بِالْمَدِينَةِ، {وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَ ذَلِكَ يُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَيَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ إلَى أَنْ أُمِرَ بِقِتَالِ الْجَمِيعِ} ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهُوَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أُمِرَ أَبُو بَكْرٍ بِقِتَالِ الشَّمَامِسَةِ لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ الْقِتَالَ وَأَنَّ الرُّهْبَانَ مِنْ رَايِهِمْ أَنْ لَا يُقَاتِلُوا، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه عَنْهُ بِأَنْ لَا يُقَاتَلُوا"وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} فَكَانَتْ الْآيَةُ عَلَى تَاوِيلِهِ ثَابِتَةَ الْحُكْمِ لَيْسَ فِيهَا نَسْخٌ، وَعَلَى قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَامُورِينَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَنْ كَفَّ، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّنْ يَتَدَيَّنُ بِالْقِتَالِ أَوْ لَا يَتَدَيَّنُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي قَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أَنَّهُ فِي النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ وَمَنْ لَمْ يَنْصِبْ لَكَ الْحَرْبَ مِنْهُمْ، كَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ فِي الْأَغْلَبِ لِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَالُ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي آثَارٍ شَائِعَةٍ