الذين يتربصون بكم. فإن كان لكم فتح من الله، قالوا: ألم نكن معكم؟ وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟ فالله يحكم بينكم يوم القيامة. ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. .
وهي صورة منفرة. تبدأ بتقرير ما يكنه المنافقون للجماعة المسلمة من الشر، وما يتربصون بها من الدوائر وهم - مع ذلك - يتظاهرون بالمودة للمسلمين حين يكون لهم فتح من الله ونعمة فيقولون: حينئذ:
ألم نكن معكم؟. .
ويعنون أنهم كانوا معهم في الموقعة - فقد كانوا يخرجون أحيانا يخذلون ويخلخلون الصفوف:- أو يعنون أنهم كانوا معهم بقلوبهم! وأنهم ناصروهم وحموا ظهورهم!
وإن كان للكافرين نصيب قالوا: ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين؟. .
يعنون أنهم آزروهم وناصروهم وحموا ظهورهم؛ وخذلوا عنهم وخلخلوا الصفوف!!
وهكذا يتلوون كالديدان والثعابين. في قلوبهم السم. وعلى ألسنتهم الدهان! ولكنهم بعد ضعاف؛ صورتهم زرية شائهة تعافها نفوس المؤمنين. . وهذه إحدى لمسات المنهج لنفوس المؤمنين. ولما كانت الخطة التي اتبعها الرسول [صلى الله عليه وسلم] بتوجيه ربه في مسألة المنافقين، هي الإغضاء والإعراض، وتحذير المؤمنين وتبصيرهم بأمرهم؛ في الطريق إلى تصفية هذا المعسكر اللعين! فإنه يكلهم هنا إلى حكم الله في الآخرة؛ حيث يكشف الستار عنهم، وينالهم جزاء ما يكيدون للمسلمين:
فالله يحكم بينكم يوم القيامة. .
حيث لا مجال للكيد والتآمر والتبييت؛ ولا مجال لإخفاء مكنونات الصدور.
ويطمئن الذين آمنوا بوعد من الله قاطع؛ أن هذا الكيد الخفي الماكر، وهذا التآمر مع الكافرين، لن يغير ميزان الأمور؛ ولن يجعل الغلبة والقهر للكافرين على المؤمنين:
ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا. .
وفي تفسير هذه الآية وردت رواية أن المقصود بهذا النص يوم القيامة. حيث يحكم الله بين المؤمنين والمنافقين فلا يكون هناك للكافرين على المؤمنين سبيل.
كما وردت رواية أخرى بأن المقصود هو الأمر في الدنيا بأن لا يسلط الله الكافرين على المسلمين تسليط استئصال. وإن غلب المسلمون في بعض المعارك وفي بعض الأحايين.
وإطلاق النص في الدنيا والآخرة أقرب، لأنه ليس فيه تحديد.
والأمر بالنسبة للآخرة لا يحتاج إلى بيان أو توكيد. . أما بالنسبة للدنيا، فإن الظواهر أحيانا قد توحي بغير هذا. ولكنها ظواهر خادعة تحتاج إلى تمعن وتدقيق:
إنه وعد من الله قاطع. وحكم من الله جامع: أنه متى استقرت حقيقة الإيمان في نفوس المؤمنين؛ وتمثلت في واقع حياتهم منهجا للحياة، ونظاما للحكم، وتجردا لله في كل خاطرة وحركة، وعبادة لله في الصغيرة والكبيرة. . فلن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا. .
وهذه حقيقة لا يحفظ التاريخ الإسلامي كله واقعة واحدة تخالفها!
وأنا أقرر في ثقة بوعد الله لا يخالجها شك، أن الهزيمة لا تلحق بالمؤمنين، ولم تلحق بهم في تاريخهم كله، إلا وهناك ثغرة في حقيقة الإيمان. إما في الشعور وإما في العمل - ومن الإيمان أخذ العدة وإعداد القوة في كل حين بنية الجهاد في سبيل الله وتحت هذه