فهرس الكتاب

الصفحة 420 من 537

الدرس السابع:142 - 143 تذبذب المنافقين وخداعهم وتكاسلهم

ثم يمضي السياق بعد هذا الوعد القاطع المطمئن للمؤمنين، المخذل للمنافقين الذين يتولون الكافرين يبتغون عندهم العزة. . يمضي فيرسم صورة زرية أخرى للمنافقين، مصحوبة بالتهوين من شأنهم، وبوعيد الله لهم:

إن المنافقين يخادعون الله - وهو خادعهم - وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس. ولا يذكرون الله إلا قليلا. مذبذبين بين ذلك. لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا. .

وهذه لمسة أخرى من لمسات المنهج للقلوب المؤمنة. فإن هذه القلوب لا بد أن تشمئز من قوم يخادعون الله. فإن هذه القلوب تعرف أن الله سبحانه - لا يخدع - وهو يعلم السر وأخفى وهي تدرك أن الذي يحاول أن يخدع الله لا بد أن تكون نفسه محتوية على قدر من السوء ومن الجهل ومن الغفلة كبير. ومن ثم تشمئز وتحتقر وتستصغر كذلك هؤلاء المخادعين!

ويقرر عقب هذه اللمسة أنهم يخادعون الله وهو خادعهم. . أي مستدرجهم وتاركهم في غيهم؛ لا يقرعهم بمصيبة تنبههم؛ ولا يوقظهم بقارعة تفتح عيونهم. . تاركهم يمضون في طريق الهاوية حتى يسقطوا. . وذلك هو خداع الله - سبحانه - لهم. . فالقوارع والمحن كثيرا ما تكون رحمة من الله، حين تصيب العباد، فتردهم سريعا عن الخطأ؛ أو تعلمهم ما لم يكونوا يعلمون. . وكثيرا ما تكون العافية والنعمة استدراجا من الله للمذنبين الغاوين؛ لأنهم بلغوا من الإثم والغواية ما يستحقون معه أن يتركوا بلا قارعة ولا نذير؛ حتى ينتهوا إلى شر مصير.

ثم يستمر السياق يرسم لهم صورا زرية شائنة؛ لا تثير في قلوب المؤمنين إلا الاشمئزاز والاحتقار:

وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس. ولا يذكرون الله إلا قليلًا فهم لا يقومون إلى الصلاة بحرارة الشوق إلى لقاء الله، والوقوف بين يديه، والاتصال به، والاستمداد منه. . إنما هم يقومون يراءون الناس. ومن ثم يقومون كسالى، كالذي يؤدي عملا ثقيلا؛ أو يسخر سخرة شاقة! وكذلك هم لا يذكرون الله إلا قليلا. فهم لا يتذكرون الله إنما يتذكرون الناس! وهم لا يتوجهون إلى الله إنما هم يراءون الناس.

وهي صورة كريهة - ولا شك - في حس المؤمنين. تثير في نفوسهم الاحتقار والاشمئزاز، ومن شأن هذا الشعور أن يباعد بينهم وبين المنافقين؛ وأن يوهن العلائق الشخصية والمصلحية. . وهي مراحل في المنهج التربوي الحكيم؛ للبت بين المؤمنين والمنافقين!

ويستمر السياق في رسم الصور الزرية المنفرة:

مذبذبين بين ذلك. لا إلى هؤلاء. ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلًا. .

وموقف الذبذبة، والأرجحة، والاهتزاز، وعدم الاستقرار والثبات في أحد الصفين: الصف المؤمن أو الصف الكافر. . موقف لا يثير إلا الاحتقار والاشمئزاز كذلك في نفوس المؤمنين. كما أنه يوحي بضعف المنافقين الذاتي. هذا الضعف الذي يجعلهم غير قادرين على اتخاذ موقف حاسم هنا أو هناك. . ولا على المصارحة برأي وعقيدة وموقف. . مع هؤلاء أو هؤلاء. .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت