قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال:"مالك يوم الدين"قال: مجدني عبدي، فإذا قال:"إياك نعبد وإياك نستعين"قال الله: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال:"اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين"قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) ويعبر النبي صلى الله عليه وسلم عن قوة الصلة بين العبد وربه في الصلاة فيقول:"إن الرجل إذا دخل صلاته أقبل الله عليه بوجهه، فلا ينصرف عنه، حتى ينقلب ـ أي يرجع ـ أو يحدث حدث سوء".
والصلاة الحقيقية التي يريدها الإسلام تمد المؤمن بقوة روحية نفسية تعينه على مواجهة متاعب الحياة ومصائب الدنيا، ولذا قال تعالى: (يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين) (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة.
في الصلاة يفضي المؤمن إلى ربه بذات نفسه، ويشكو إليه بثه وحزنه، ويستفتح باب رحمته، ويستنزل الغيث من عنده (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد) .
في الصلاة يشعر المؤمن بالسكينة والرضا والطمأنينة، إنه يبدأ صلاته بالتكبير فيحس بأن الله أكبر من كل ما يروعه ومن يروعه في هذه الدنيا، ويقرأ فاتحة الكتاب فيجد فيها تغذية للشعور بنعمة الله (الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم) وتغذية للشعور بعظمة الله وعدله (مالك يوم الدين) وتغذية للشعور بالحاجة إلى الصلة بالله وإلى عونه سبحانه (اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) .
فلا عجب أن تمد الصلاة المؤمن بحيوية هائلة، وقوة نفسية فياضة، وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ الأثر النفسي للصلاة وما يسبقها من وضوء وذكر لله تعالى، وكيف يستقبل المؤمن المصلي يومه ويبدأ حياته الجديدة كل صباح، قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإذا هو قام فذكر الله انحلت عقدة، فإذا توضأ انحلت عقدة ثانية، فإذا قام إلى الصلاة انحلت عقده الثلاث، فأصبح طيب النفس نشيطا، وإلا أصبح خبيث النفس كسلا) .
وفي هذه القوة مدد أي مدد لضمير المؤمن يقويه على فعل الخير، وترك الشر، ومجانبة الفحشاء والمنكر، ومقاومة الجزع عند الشر، والمنع عند الخير، فهي تغرس في القلب مراقبة الله تعالى، ورعاية حدوده، والحرص على المواقيت، والدقة في المواعيد، والتغلب على نوازع الكسل والهوى، وجوانب الضعف الإنساني، وفي هذا يقول القرآن الكريم: (إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، إلا المصلين، الذين هم على صلاتهم دائمون) (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) .
وما نرى من المصلين قد ضعفت أخلاقهم، أو انحرف سلوكهم، فلا بد أن صلاتهم جثة بلا روح، وحركات جسم بلا حضور عقل، ولا خشوع قلب، وإنما الفلاح للمؤمنين (الذين هم في صلاتهم خاشعون) أما المتظاهرون بالصلاة دون أن ترقق قلوبهم، أو تفتح للخير صدورهم، فما أحقهم بوعيد الله: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) .