{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ْ} فالموقن هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز -بإيقانه- ما في حكم الله من الحسن والبهاء، وأنه يتعين -عقلا وشرعا- اتباعه. واليقين، هو العلم التام الموجب للعمل.
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:
إن الاعتبار الأول في هذه القضية هو أنها قضية الإقرار بألوهية الله وربوبيته وقوامته على البشر - بلا شريك - أو رفض هذا الإقرار. . ومن هنا هي قضية كفر أو إيمان، وجاهلية أو إسلام. .
.. والقرآن كله معرض بيان هذه الحقيقة. .
إن الله هو الخالق. . خلق هذا الكون، وخلق هذا الإنسان. وسخر ما في السماوات والأرض لهذا الإنسان. . وهو - سبحانه - متفرد بالخلق، لا شريك له في كثير منه أو قليل.
وإن الله هو المالك. . بما أنه هو الخالق. . ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما. . فهو - سبحانه - متفرد بالملك. لا شريك له في كثير منه أو قليل.
وإن الله هو الرازق. . فلا يملك أحد أن يرزق نفسه أو غيره شيئا. لا من الكثير ولا من القليل. .
وإن الله هو صاحب السلطان المتصرف في الكون والناس. . بما أنه هو الخالق المالك الرازق. . وبما أنه هو صاحب القدرة التي لا يكون بدونها خلق ولا رزق ولا نفع ولا ضر. وهو - سبحانه - المتفرد بالسلطان في هذا الوجود.
والإيمان هو الإقرار لله - سبحانه - بهذه الخصائص. الألوهية، والملك، والسلطان. . . متفردا بها لا يشاركه فيها أحد. والإسلام هو الاستسلام والطاعة لمقتضيات هذه الخصائص. . هو إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة على الوجود كله - وحياة الناس ضمنا - والاعتراف بسلطانه الممثل في قدره؛ والممثل كذلك في شريعته. فمعنى الاستسلام لشريعة الله هو - قبل كل شيء - الاعتراف بألوهيته وربوبيته وقوامته وسلطانه. ومعنى عدم الاستسلام لهذه الشريعة، واتخاذ شريعة غيرها في أية جزئية من جزئيات الحياة، هو - قبل كل شيء - رفض الاعتراف بألوهية الله وربوبيته وقوامته وسلطانه. . ويستوي أن يكون الاستسلام أو الرفض باللسان أو بالفعل دون القول. . وهي من ثم قضية كفر أو إيمان؛ وجاهلية أو إسلام. ومن هنا يجيء هذا النص: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) . . (الظالمون) . . (الفاسقون) .
والاعتبار الثاني هو اعتبار الأفضلية الحتمية المقطوع بها لشريعة الله على شرائع الناس. . هذه الأفضلية التي تشير إليها الآية الأخيرة في هذا الدرس: (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون؟) . .
والاعتراف المطلق بهذه الأفضلية لشريعة الله، في كل طور من أطوار الجماعة، وفي كل حالة من حالاتها. . هو كذلك داخل في قضية الكفر والإيمان. . فما يملك إنسان أن يدعي أن شريعة أحد من البشر، تفضل أو تماثل شريعة الله، في أية حالة أو في أي طور من أطوار الجماعة الإنسانية. . ثم يدعي - بعد ذلك - أنه مؤمنبالله، وأنه من المسلمين. . إنه يدعي أنه أعلم من الله بحال الناس؛ وأحكم من الله في تدبير أمرهم. أو يدعي أن أحوالا وحاجات جرت في حياة الناس، وكان الله - سبحانه - غير عالم بها وهو يشرع شريعته؛