"وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته، إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية من ناحية. ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي ومراحله المتعددة، ووسائله المتجددة، المكافئة للواقع البشري المتغير، من الناحية الأخرى. . . الخ".
والآن نأخذ في شيء من استعراض طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم سواء من الناحية الموضوعية الثابتة، أو من ناحية المواقف التاريخية الواقعة. . . فهذه هي العناصر الرئيسية التي انتهت إلى هذه الأحكام النهائية.
إن طبيعة الموقف بين أهل الكتاب والمجتمع المسلم يجب البحث عنها اولًا: في تقريرات اللّه - سبحانه - عنها، باعتبار أن هذه هي الحقيقة النهائية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ وباعتبار أن هذه التقريرات - بسبب كونها ربانية - لا تتعرض لمثل ما تتعرض له الاستنباطات والاستدلالات البشرية من الأخطاء. . وثانيًا: في المواقف التاريخية المصدقة لتقريرات اللّه سبحانه!
إن اللّه سبحانه يقرر طبيعة موقف أهل الكتاب من المسلمين في عدة مواضع من كتابه الكريم. . وهو تارة يتحدث عنهم - سبحانه - وحدهم، وتارة يتحدث عنهم مع الذين كفروا من المشركين؛ باعتبار أن هنالك وحدة هدف - تجاه الإسلام والمسلمين - تجمع الذين كفروا من أهل الكتاب والذين كفروا من المشركين. وتارة يتحدث عن مواقف واقعية لهم تكشف عن وحدة الهدف ووحدة التجمع الحركي لمواجهة الإسلام والمسلمين. . والنصوص التي تقرر هذه الحقائق من الوضوح والجزم بحيث لا تحتاج منا إلى تعليق. . وهذه نماذج منها. .
(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) . . . [البقرة:105] .
(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدا من عند أنفسهم، من بعد ما تبين لهم الحق) . . . [البقرة:109] .
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) . . . [البقرة:120] .
(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم) . . . [آل عمران:69] . (وقالت طائفة من اهل الكتاب: آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون، ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) . . . [آل عمران:72 - 73] .
(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقًا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) . . . [آل عمران:100] . . .
(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل، واللّه أعلم بأعدائكم. . .) . . . [النساء:44 - 45] .
(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا: هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلًا) . . . [النساء:51] .
وفي هذه النماذج وحدها ما يكفي لتقرير حقيقة موقف أهل الكتاب من المسلمين. . . فهم يودون لو يرجع المسلمون كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق. وهم يحددون موقفهم النهائي من المسلمين بالإصرار على أن يكونوا يهودًا أو نصارى، ولا