الدَّوْلَةُ إذْ ذَاكَ لِبَنِي أُمَيَّةَ وَحَالُهُمْ وَحَالُ أُمَرَائِهِمْ لَا يَخْفَى. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي خَلْفَ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ. وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ صَلَّى خَلْفَ مَرْوَانَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي قِصَّةِ تَقْدِيمِهِ الْخُطْبَةَ عَلَى الصَّلَاةِ، وَإِخْرَاجِ مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِنْكَارِ بَعْضِ الْحَاضِرِينَ. وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ تَوَاتُرًا: أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم {أَخْبَرَ بِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْأُمَّةِ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ مِيتَةَ الْأَبَدَانِ وَيُصَلُّونَ لِغَيْرِ وَقْتِهَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِمَ تَامُرُنَا؟ فَقَالَ: صَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَ الْقَوْمِ نَافِلَةً} . وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ أَمَاتَ الصَّلَاةَ وَفَعَلَهَا فِي غَيْرِ وَقْتِهَا غَيْرُ عَدْلٍ. وَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ نَافِلَةً. وَلَا فَرْق بَيْنهَا وَبَيْنَ الْفَرِيضَةِ فِي ذَلِكَ. وَمِمَّا يُؤَيِّد عَدَمَ اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ إمَامِ الصَّلَاةِ حَدِيثُ: {صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَصَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي إسْنَادِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَفِي إسْنَادِهِ خَالِدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ وَجْه آخَر عَنْهُ، وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَقَدْ خَفِيَ حَاله أَيْضًا عَلَى الضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيَّ، وَتَابَعَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَهْبُ بْنُ وَهْبٍ وَهُوَ كَذَّابٌ. وَرَوَاهُ أَيْضًا الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَفِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَهُوَ مَتْرُوكٌ. وَلَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ وَفِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيُّ وَقَدْ رَمَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ بِالْوَضْعِ. وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا عُمُومُ أَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ بَرًّا أَوْ فَاجِرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ، وَأَنَّ كُلّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ صَحَّتْ لِغَيْرِهِ وَقَدْ اعْتَضَدَ هَذَا الْأَصْلُ بِمَا ذَكَر الْمُصَنِّفُ وَذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ، وَبِإِجْمَاعِ الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ، وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ مِنْ بَعْدِهِمْ بِهِ، فَالْقَائِل بِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ كَمَا رُوِيَ عَنْ الْعِتْرَةِ وَمَالِكٍ وَجَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ وَجَعْفَرِ بْنِ حَرْبٍ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ يُنْقَلُ عَنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ. وَقَدْ أَفْرَدْتُ هَذَا الْبَحْثَ بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَاسْتَوْفَيْتُ فِيهَا الْكَلَامَ عَلَى مَا ظَنَّهُ الْقَائِلُونَ بِالِاشْتِرَاطِ دَلِيلًا مِنْ الْعُمُومَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَلَهُمْ مُتَمَسَّكٌ عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَالَةِ لَمْ أَقِفْ عَلَى أَحَدٍ اسْتَدَلَّ بِهِ وَلَا تَعَرَّضَ لَهُ. وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ إلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِين فَرَغَ: لَا يُصَلِّي لَكُمْ، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّاوِي: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} . وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ النِّزَاعِ إنَّمَا هُوَ فِي صِحَّةِ الْجَمَاعَةِ خَلْفَ مَنْ لَا عَدَالَةَ لَهُ وَأَمَّا أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ فَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي تَرْجَمَةِ مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم: {إنْ سَرَّكُمْ أَنْ تُقْبَلُ صَلَاتُكُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ، فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ} وَيُؤَيِّد ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ قَوْله: {لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا} فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَؤُمُّ الرَّجُلَ. وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ الْعِتْرَةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَأَجَازَ الْمُزَنِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ إمَامَتَهَا فِي التَّرَاوِيحِ إذَا لَمْ يَحْضُرْ مَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ. وَيُسْتَدَلُّ لِلْجَوَازِ بِحَدِيثِ أُمِّ وَرَقَةَ: {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا} رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِمُ. وَأَصْلُ الْحَدِيثِ: {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا غَزَا بَدْرًا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَاذَنُ لِي فِي الْغَزْوِ مَعَك؟ فَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ دَبَّرَتْهُمَا} فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي وَيَاتَمُّ بِهَا مُؤَذِّنُهَا وَغُلَامُهَا وَبَقِيَّةُ أَهْلِ دَارِهَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إنَّمَا أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمّ