يُبَاحُ لَهُ الدَّفْعُ وَيَضْمَنُ وَاتَّفَقُوا إذَا كَانَ آدَمِيًّا بَالِغًا عَاقِلًا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ. لَنَا وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّمَانِ. الثَّانِي الْقِيَاسُ عَلَى الْآدَمِيِّ. الثَّالِثُ الْقِيَاسُ عَلَى الدَّابَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْأَذَى أَنَّهَا تَقْتُلُ، وَلَا تُضْمَنُ إجْمَاعًا، وَلَا يَلْزَمُنَا إذَا غَصَبَهُ فَصَالَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ هُنَالِكَ بِالْغَصْبِ لَا بِالدَّفْعِ، وَإِلَّا إذَا اُضْطُرَّ لَهُ لِجُوعٍ فَأَكَلَهُ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْجُوعَ الْقَاتِلَ فِي نَفْسِ الْجَامِعِ لَا فِي نَفْسِ الصَّائِلِ وَالْقَتْلُ بِالصِّيَالِ مِنْ جِهَةِ الصَّائِلِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ الْأَوَّلِ أَنَّ مُدْرِكَ عَدَمِ الضَّمَانِ إنَّمَا هُوَ إذْنُ الْمَالِكِ لَا جَوَازُ الْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِ عَبْدِهِ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ أَكَلَهُ لِمَجَاعَةٍ ضَمِنَهُ. الثَّانِي أَنَّ الْآدَمِيَّ لَهُ قَصْدٌ وَاخْتِيَارٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ وَالْبَهِيمَةُ لَا اخْتِيَارَ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَطَرَحَ إنْسَانٌ نَفْسَهُ فِيهَا لَمْ يَضْمَنْهُ، وَلَوْ طَرَحَتْ بَهِيمَةٌ نَفْسَهَا فِيهَا ضُمِنَتْ وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ وَجِنَايَةُ الْبَهِيمَةِ لَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا. الثَّالِثُ قَوْلُهُ عليه السلام {جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ} فَلَوْ لَمْ يَضْمَنْ لَمْ يَكُنْ جُبَارًا كَالْآدَمِيِّ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الضَّمَانَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّيْدَ إذَا صَالَ عَلَى مُحْرِمٍ لَمْ يَضْمَنْهُ أَوْ صَالَ عَلَى الْعَبْدِ سَيِّدُهُ فَقَتَلَهُ الْعَبْدُ أَوْ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ فَقَتَلَهُ ابْنُهُ لَا يَضْمَنُونَ لِجَوَازِ الْفِعْلِ وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَهَا اخْتِيَارٌ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّ الْكَلْبَ لَوْ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُؤْكَلْ صَيْدُهُ، وَالْبَعِيرُ الشَّارِدُ يَصِيرُ حُكْمُهُ حُكْمَ الصَّيْدِ عَلَى أَصْلِهِمْ، وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَائِرٌ فَقَعَدَ الطَّائِرُ سَاعَةً ثُمَّ طَارَ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ طَارَ بِاخْتِيَارِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي الْآدَمِيِّ لَوْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي الْبِئْرِ لَمْ يُضْمَنْ بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ فَيَلْزَمُهُمْ أَنَّهُ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَتْ فِيهَا بَهِيمَةٌ لَمْ يَضْمَنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَخْتَرْ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَمْ يَخْتَرْهُ، وَأَمَّا تَعْلِيقُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَتَبْطُلُ بِالْعَبْدِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ تَتَعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِلدَّابَّةِ فِي الضَّمَانِ، وَعَنْ الثَّالِثِ أَنَّ الْهَدَرَ يَقْتَضِي عَدَمَ الضَّمَانِ مُطْلَقًا.
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِالصِّيَالِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ الْإِتْلَافِ بِغَيْرِهِ) . مِنْ نَحْوِ تَرْكِ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يَمُوتَ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ وَالضَّمَانُ فِي غَيْرِهِ، وَمِنْ حَيْثُ تَرَتُّبُ الْإِثْمِ عَلَى تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ حَتَّى يَمُوتَ وَعَدَمُ تَرَتُّبِ الْإِثْمِ عَلَى تَرْكِ الدَّفْعِ لِلصَّائِلِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ مِنْ وُجُوهٍ أَرْبَعَةٍ اثْنَانِ بِاعْتِبَارِ الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَاثْنَانِ بِاعْتِبَارِ تَرَتُّبِ الْإِثْمِ وَعَدَمِ تَرَتُّبِهِ. (الْوَجْهُ الْأَوَّلُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الضَّمَانَ فِي غَيْرِ الصَّائِلِ لِعَدَمِ الْمُسْقِطِ وَعَدَمَ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ لِاخْتِصَاصِهِ بِنَوْعٍ مِنْ إسْقَاطِ اعْتِبَارِ إتْلَافِهِ بِسَبَبِ عِدَاهُ وَعِدْوَانِهِ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) مِنْ الْفُرُوقِ وَهُوَ أَقْرَبُهَا أَنَّ الضَّمَانَ فِي غَيْرِ الصَّائِلِ لِعَدَمِ تَعَارُضِ مَفْسَدَتَيْنِ عُلْيَا وَدُنْيَا فِيهِ وَعَدَمَ الضَّمَانِ فِي الصَّائِلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَتْ فِيهِ مَفْسَدَةُ أَنْ يَفْعَلَ أَوْ يُمَكِّنَ مِنْ الْقَتْلِ، التَّمْكِينُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنْ مُبَاشَرَةِ الْمَفْسَدَةِ نَفْسِهَا وَالْقَاعِدَةُ سُقُوطُ اعْتِبَارِ الْمَفْسَدَةِ الدُّنْيَا بِدَفْعِ الْمَفْسَدَةِ الْعُلْيَا إذَا تَعَارَضَت.
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ تَرْكَ الْغِذَاءِ وَالشَّرَابِ سَبَبٌ تَامٌّ فِي الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ إضَافَةِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ وَتَرْكُ دَفْعِ الصَّائِلِ سَبَبٌ فِي الْمَوْتِ نَاقِصٌ لَا يَتِمُّ إلَّا بِإِضَافَةِ فِعْلِ الصَّائِلِ إلَيْهِ فَلِذَا تَرَتَّبَ الْإِثْمُ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي فَافْهَمْ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا وَجْهُ حُرْمَةِ تَرْكِ الْغِذَاءِ وَعَدَمِ حُرْمَةِ تَرْكِ الدَّوَاءِ؟ قُلْتُ الْوَجْهُ أَنَّ الدَّوَاءَ غَيْرُ مُنْضَبِطِ النَّفْعِ فَإِنَّهُ قَدْ يُفِيدُ وَقَدْ لَا يُفِيدُ وَنَفْعُ الْغِذَاءِ ضَرُورِيٌّ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ) مِنْ الْفُرُوقِ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ نَفْسِهِ طَعَامَهَا وَشَرَابَهَا حَتَّى مَاتَ يُعَدُّ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ فَلِذَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْإِثْمُ وَالسَّاكِتُ عَنْ دَفْعِ الصَّائِلِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ عَنْ نَفْسِهِ لَا يُعَدُّ قَاتِلًا لِنَفْسِهِ فَلِذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْإِثْمُ، وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الدَّافِعَ لِصَائِلٍ إنْسَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ عَنْ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ لَا يَقْصِدُ قَتْلَهُ بَلْ الدَّفْعَ خَاصَّةً،